حسم ملف درعا بتسوية فرضتها القوة... وانقلب المشهد

حسم ملف درعا بتسوية فرضتها القوة... وانقلب المشهد

عُقدت في العام 2018 بين الجيش العربي السوري ومجموعات المسلحين في درعا تسوية برعاية روسية منح بموجبها المسلحون مكاسب وامتيازات سمحت لهم بقدر من الذاتية في العمل المسلح داخل مناطق تحاذر الدولة الدخول اليها مقابل التزامهم بقواعد التهدئة والامن وامتناعهم عن القيام بأيّ عمل إرهابي او إجرامي فردياً كان ام جماعياً، عفوياً كان او منظماً ومخططاً.


لقد «تنازلت» الدولة السورية في تلك التسوية عن بعض مما تحتكره الدولة أصلاّ على صعيد السلاح والأمن، مقابل أن تحقق للمنطقة أمنا مرحلياً يخرجها من دائرة الاشتعال المتفجّر الى دائرة الأمن الحذر أو النار الخامدة، وقد اختارت الدولة يومها هذا الحلّ الذي يصنف من قبل الكثيرين بانه الحل السيّئ بين حلول أشدّ سوءاً منه، لأنها كانت تريد ان تتجنّب مواجهة مكلفة تستلزم الدماء الغزيرة وتؤدي الى تعميق الانقسام والنقمة، هذا فضلاً عن تأثير المواجهة فيما لو وقعت بشكل واسع على ملفات أخرى كانت الدولة قد جعلتها في طليعة في جدول الأولويات الموضوع من قبلها لاستعادة الاوضاع الى طبيعتها.


لقد كان لهذا الحلّ السيّئ كما أسلفنا، إيجابيات واضحة على صعيد الدولة التي نظرت اليه باعتباره حلا مرحلياً مؤقتاً سيصحّح حتماً عندما تحين ساعة التصحيح وتتوفر الظروف والشروط اللازمة لذلك دون التفريط بالمبادئ التي تمسكت بها الدولة واعتمدتها في صلب استراتيجياتها الدفاعية التي خاضت الدفاع في مواجهة الحرب الكونية بموجبها، وأهمّ هذه المبادئ وحدة الأرض السورية وحصرية السيادة بيد الدولة عليها مع الالتزام بحقن الدماء وسلامة البشر وحفظ المال وصيانة الحجر.


أما من جهة المسلحين ومن يقف خلفهم ويشغلهم، فقد رأى في التسوية لعام 2018 ربط نزاع وحماية للسلاح بيد حامليه بعيداً عن سلطة الدولة وقرارها بما يمنحهم فرصة تطوير الأمر وفرض امر واقع «انفصالي» وإقامة كيان او شبه كيان لا يخضع للدولة المركزية في دمشق.


وبالفعل لحظ من تابع أداء هذه المجموعات المسلحة والتي احتفظت بسلاحها الخفيف والمتوسط بعد التسوية، لاحظ سعيها لطمس أي مظهر من مظاهر الدولة في مناطق سيطرتها ورفض رفع العلم السوري فيها فضلاً عن القيام بأعمال إرهابية وارتكاب جرائم قتل وخطف بحق المواطنين والموظفين من عسكريين ومدنيين حيث بلغت ضحايا إجرامهم الـ 200 ضحية او ما يزيد. كما أدت جرائمهم الى نشر حالة من الرعب في مناطق انتشارهم دفعت بالكثير من المواطنين الى الهجرة منها.


امام هذا الواقع، وعطفاً على ما سبق ووصفناه بما يتصل بتسوية العام ٢٠١٨، وجدت الدولة السورية ان لا مناص من القرار بتصحيح الأوضاع وبسرعة في منطقة درعا ومحيطها خاصة أنّ هناك علامات خطرة ظهرت تلزم بالتحرك السريع بحزم لحسم الموقف حيث سجل من هذه المخاطر والسلبيات ما يلي:


ـ ارتباط جزء كبير من المسلحين بالعدو «الإسرائيلي» واستعدادهم للعمل بتوجيه منه لإنشاء حالة انفصالية في الجنوب الغربي لسورية على ان تتطور لتكون بمثابة المنطقة العازلة بين الجولان السوري المحتلّ وبين الدولة الأم التي ما فتئت تطالب وتعمل من اجل تحرير أرضها من نير الاحتلال.


ـ تبعية جزء آخر من المجموعات المسلحة لتركيا التي ترغب بتحريك الوضع في الجنوب من أجل إشغال الجيش العربي السوري عن تنفيذ خططه التي يعمل بموجبها لمعالجة وضع الاحتلال التركي في الشمال والشمال الغربي. وقد وجدت تركيا في تفجير الوضع في درعا وتمدّد النار والمواجهة الى محيطها أفضل طريقة لحجب احتلالها وتأخير معالجته.


ـ خشية من تشكل حالة انفصالية في الجنوب الغربي السوري تبرّر قيام حالات أخرى في الشمال مع «قسد» او حتى في الجنوب كما كان يسعى البعض في السويداء، وهو أمر بالغ الخطورة ويفاقم الأعباء على كاهل الدولة السورية الساعية الى إعادة الأمر الى طبيعته على كامل المساحة السورية الواحدة الموحدة الرافضة لأيّ اقتطاع او قضم او انفصال او تقسيم.


ـ مخاوف من تأثير الخلل الأمني في جوار الطريق الدولية دمشق ـ عمان على حركة العبور والترانزيت التي تعوّل سورية والأردن والإقليم على عودتها الى حالتها الطبيعة لما في ذلك من مردود إيجابي كبير على الصعيد الاقتصادي وغيره.


هذه المسائل مضافة الى الثغرات القائمة في تسوية العام 2018 ومعطوفة على ما ارتكبه المسلحون من جرائم ومارسوه من إرهاب مسلح في المنطقة، كلها معاً دفعت الحكومة السوية لاتخاذ قرار بحسم الوضع معتمدة في التنفيذ على العمل على خطين: خط اليد الممدودة للاستنقاذ وتسوية أوضاع من يريد الأمن والسلام لنفسه ومحيطه ويقبل بالعودة الى حضن الوطن او الخروج من المنطقة سالماً، وخط السيف المشهور لمعالجة تعنت أو رفض أو إجرام من يرفض اليد الممدودة للحلّ سلماً، ويريد العنف والمواجهة.


وفي التنفيذ جهزت الدولة السورية نفسها على الخطين معاً وفي الآن ذاته، فعيّنت من يفاوض واختارت من يتوسط ووضعت لائحة مفصلة بشروط التسوية والأمن والسلام المطلوب من المسلحين العمل بمقتضاها دون تلكؤ، كما انها حشدت من القوى العسكرية ما يكفي من المقاتلين لإنجاز المهمة بالقوة إذا اقتضى الأمر.


أمام هذا الواقع والخيارات التي طرحتها الدولة، ونظراً لمتغيّرات محلية وإقليمية قبِلَ جزء كبير من المسلحين خاصة في درعا البلد بشروط الدولة ووقعوا عليها، ما أحدث انقلاباً في المشهد وأسّس لمرحلة جديدة في سورية تبدأ من درعا ولا تتوقف الا بعد استعادة الدولة أمنها وسيادتها على كامل الأرض السورية، وبالشروط التي ذكرت، وعليه نستطيع ان نصف نتائج ما حصل في درعا من تسوية العام 2021 فيها بما يلي:


أ ـ اسقطت تسوية درعا 2021 الحلم “الإسرائيلي” بمنطقة عازلة او بجدار يُذكّر بما كان قائماً في لبنان قبل العام 2000، وأعاد درعا الى الوطن لتكون درعاً يحميه في مواجهة العدو وليس حاجزاً يستغله العدو لحماية احتلاله للجولان.


ب ـ أسقطت تسوية درعا 2021 محاولة انفصالية في الجنوب كان يُراد لها ان تتوسع منه الى الشمال الغربي وشرقي الفرات، وأفهمت جميع دعاة السياسة الانفصالية أو النهج الاحتلالي بأنّ الدولة السورية تعمل وفقاً لجدول أولويات تعتمده ربطاً بإمكاناتها الذاتية والتحالفية، وتعمل لاستعادة السيطرة على كامل الأرض السورية ولا تهاون في ذلك، وهي رسائل على “قسد” الكردية والمحتلين الأتراك والاميركيين فهمها جيداً.


ج ـ ستوفر تسوية درعا 2021 البيئة الأمنية المناسبة لتنشيط الحركة الاقتصادية وعبور الأشخاص والبضائع بين سورية والأردن وتوفر فرصاً مناسبة لتفعيل خط الغاز العربي الذي بدأ تحريكه منذ أيام في عمّان في الاجتماع الرباعي الأردني السوري اللبناني المصري.


د ـ وضعت الدولة السورية في تسوية درعا 2021 ذات البنود الـ 12 التي تحدّد المبادئ والتفاصيل أيضاً وضعت نموذجاً لسلوكها في حلّ المسائل والملفات العالقة في القضية السورية ككلّ حيث انّ هذه التسوية أرست أسس “صنع الأمن” الوطني في المنطقة وكيفية “حفظ الأمن” هذا مع التأكيد على وحدة الأرض السورية وحصرية حمل السلاح وفقاً لقرارها واختيارها.


وعليه نقول نجحت الدولة السورية في معالجة ملف درعا بالشكل المناسب واختارت الحلّ الأفضل لها ولمواطنيها مستفيدة من قوة ذاتية تمتلكها ومن دعم الحليف الروسي الذي أفهم المسلحين انه لن يكون إلا بجانب الجيش العربي السوري إذا دفع الى المعركة، ومن تحوّل ما في الموقف الاردني بدوافع اقتصادية خاصة، ومن تحوّلات إقليمية ودولية صبّت في معظمها لصالح الحكومة السورية التي عرفت متى تقرّر ومتى تقدم وكيف تقتنص الفرص من أجل إنقاذ الوطن.

امين حطيط