“فتنة التوقيفات”: الكنيسة تتقدم الرد الناري

المصدر: النهار
16 كانون الثاني 2023
خرجت “فتنة” توقيف الناشط وليم نون وما رافقها واعقبها من ملابسات شديدة السلبية، بل مفعمة بالريبة والشبهات، عن اطار مجرد استدعاء لشقيق ضحية من ضحايا انفجار مرفأ بيروت، لتشعل ما يخشى ان يشكل “ردة مسيحية” بالدلالات الطائفية والسياسية في ظل احتدام ازمة الفراغ الرئاسي وانسدادها. ذلك انه لم يعد ممكنا النظر بتبسيط وتبرئة لما اقدم عليه جهاز امن الدولة والقاضي المعني بتغطية عملية استفزازية بهذا الشكل استهدفت الفئة الأشد وجعا بسبب واقع تمزق العدالة والقضاء تحت عصف التدخلات السياسية والطائفية الوقحة، التي كان من شأنها شل التحقيق في ملف انفجار المرفأ واصابة القضاء باصابات قاتلة في صميم رسالته ومهمته وعمله. حصل التوقيف واشعل الاحتجاجات في الشارع التي ستتواصل اليوم والخميس المقبل في ما قد ينذر بشيء ما مختلف هذه المرة عن الموجات السابقة من الاحتجاجات، خصوصا ان البلاد تبدو مقبلة على مزيج من الاحتدامات مع بلوغ دولار السوق السوداء حافة الخمسين الف ليرة واستتباعاته في اشعال الأسعار. واذا كان وليم نون قد خرج عصر السبت بعدما اقتربت الاحتجاجات في الشارع من حافة وضع مشتعل لا تحمد عقباه، فان التداعيات المؤسساتية والسياسية وحتى الدينية الأخرى لم تكن اقل خطورة. تخوف كثيرون أولا من ان تكون معالم الانقسام القضائي الذي برز نافرا جدا في ظل اصدار بيان يؤيد الإجراءات التي تولاها احد قضاة النيابة العامة الاستئنافية في تغطية استهداف وليم نون واخرين من أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، ورفض المجلس الاعلى للقضاء تبنيه، نذير تطور غير مسبوق في تشظي القضاء على خلفيات سياسية بل وطائفية أيضا. وسيتواصل المناخ المحموم اليوم مع استدعاء ١٢ شخصا من أهالي شهداء انفجار المرفأ للمثول امام التحقيق في ثكنة بربر الخازن فيما صدرت دعوات للتجمع بكثافة امام الثكنة تضامنا مع أهالي الضحايا وللمطالبة باطلاق يد القاضي طارق البيطار في التحقيق.
اما التطور الأشد أهمية فيتمثل في ردة الفعل الكنسية أولا من خلال مشاركة رجال دين مسيحيين مباشرة في اعتصامات واحتجاجات تخللها اعتداء مريب على احد الكهنة وهو خال وليم نون في جبيل. وتاليا، وهنا الأهم، اعلان موقف ناري غير مسبوق في حدته في عظة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، كما في موقف متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عودة، وهما موقفان للكنيسة المسيحية يثبتان موقفا ناريا بكل ما يحمله من دلالات. ولم يقف موقف الراعي عند الحادث بنفسه بل ذهب بعيدا الى اطلاق تحذير صارم من افراغ مناصب الموارنة والمسيحيين تباعا من شاغليها واستهدافها. ولذا تراكمت التساؤلات عمن يقف وراء استفزاز المشاعر الطائفية وهل من رابط بين مجريات ما حصل وفرض وقائع توتر وتسخين وافتعالات “لاحراق” مرشحين وتعويم اخرين كما تردد على نطاق واسع؟
ولم يعد من شك في ان البلاد التي ستشهد من اليوم انطلاق مهمة الوفود القضائية الأوروبية في التحقيقات المتصلة بالفساد التي دخلت حقبة جديدة من التأزم تحت اعين ورقابة هذه الوفود من جهة ووسط ترقب ما ستؤول اليه المواجهة الحكومية في شأن عقد جلسة لمجلس الوزراء. وأفادت معلومات في هذا الصدد أنّ وزير الاقتصاد أمين سلام زار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وأكّد له حضوره جلسة مجلس الوزراء منتصف الأسبوع. وأشارت الى أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء وضعت جدول أعمال الجلسة والتزمت ببند الطاقة حتى الآن وفق رغبة “حزب الله”.
وأضافت أن جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء سيتضمنُ بنوداً تتعلق بنفاد مخزون القمح وميزانية لوزارة التربية وأخرى لقطاع الصحة مشيرة إلى أن ميقاتي سيُبقي هذه البنود معلقة لاستكمالها في جلسة أخرى إذا لم تُحسم مسألة الكهرباء هذا الأسبوع.
اما الملف الرئاسي ووسط الانسداد الكامل الذي يحكمه فمن غير المستبعد ان يثير مواجهات سياسية تصعيدية في الجلسة الحادية عشرة لانتخاب رئيس الجمهورية الخميس المقبل على خلفية تصعيد “الغضب المسيحي” الذي عكسه امس البطريرك الراعي.