مؤرّخ إيرانيّ: ثورة 1979 كانت خدعة…

يرى المؤرّخ والمفكّر الإيرانيّ عبّاس ميلاني أنّ “الحدث الذي عُرف باسم “الثورة الإيرانيّة” لم يكن ثورة بالمعنى الذي حلم به الإيرانيّون، بل كان “خداعاً سياسيّاً” قاده آية الله الخميني”، ويعتبر أنّ “الشعب الإيرانيّ لن يقبل بعد الآن بأن يُخدع كما حدث قبل نحو نصف قرن، وقد تبقى آلة النظام قائمةً، لكنّ التغيير قادم، وثورة الغد مستمرّة لاستعادة الحقوق التي فُقدت عام 1979”.
يوضح ميلاني، وهو مدير برنامج الدراسات الإيرانيّة في جامعة ستانفورد والباحث في معهد هدسون للأبحاث، أنّه لفهم ردّة فعل الشعب الإيرانيّ بعد انتهاء الهجمات الأميركيّة والإسرائيليّة، من المهمّ إدراك أنّ الثورة الإيرانيّة عام 1979 لم تكن ثورة بالمعنى الحقيقيّ، بل كانت لعبة خداع ماكرة أدارها ببراعة آية الله روح الله الخمينيّ الذي وضع نفسه على رأس الحركة.
يضيف في مقال له في صحيفة “نيويورك تايمز”: لقد كان الشعب الإيرانيّ يتوق إلى ثورة تقوم على فكرة المواطنة الحديثة والعقد الاجتماعيّ لتحقيق الديمقراطيّة والحرّية والاستقلال وإقامة جمهوريّة، بل جمهوريّة إسلامية لكن من دون حكم رجال الدين. وعد الخمينيّ بهذه الأفكار، مانحاً الإيرانيّين والقوى الغربيّة ما كانوا يتوقون لسماعه، لكن ما دبّره كان ثورة مضادّة.
أخفى طموحه السياسيّ، بل كتب رسالة إلى الرئيس جيمي كارتر يطلب منه فيها تحييد نفوذ الجيش الإيرانيّ، ويتعهّد بالحفاظ على إيران حرّة من الهيمنة السوفياتيّة وضمان توافر نفطها في الأسواق. لكنّه كان مولعاً بالاستبداد الدينيّ، ويكنّ ضغائن عميقة للولايات المتّحدة. بينما اعتقد كثيرون أنّ الثورة ستوجد مفهوماً إصلاحيّاً للشيعة لجعلها أكثر انسجاماً مع الحداثة، أصرّ الخمينيّ على الحفاظ على الطقوس والعقائد التقليديّة، قاضياً بذلك على فكرة تحديث الإسلام الشيعيّ.
الثورة الحقيقيّة في إيران خيضت معركة تلو أخرى على مدى ما يقرب من خمسة عقود: الحركة الخضراء 2009-2010
الجهل بكتابات الخمينيّ
وفقاً لميلاني، “كان سحر الثورة، والجهل بكتابات آية الله الخمينيّ السابقة، وتظاهره بالدفاع عن نظام ديمقراطيّ ليبراليّ في الأشهر التي سبقت الإطاحة بالشاه، عوامل ساهمت في نجاح هذه الخدعة، فرأى فيه الإيرانيّون من مختلف شرائح المجتمع، القادة الغربيّون والعديد من المثقّفين البارزين حاملَ لواء تطلّعات إيران الديمقراطيّة. لكن، بعد فترة وجيزة من تولّيه السلطة، أدخل دستوره “الحكومة الإسلاميّة: ولاية الفقيه”، الذي افترض أنّ الناس، من الناحية الوجوديّة، أشبه بالغنم في القطيع وعاجزون عن إدارة شؤونهم ويحتاجون إلى راعٍ. ثمّ قامت محاكم الثورة الإسلاميّة بإصدار أحكام الإعدام بأعضاء النظام السابق، ثمّ بمعارضيه في محاكمات موجزة. فرض آية الله قيوداً اجتماعيّة صارمة، كالحجاب الإلزاميّ على النساء. لم يكن من المستغرب أن تشعر النساء والعلمانيّون الديمقراطيّون واليساريّون والأقليّات العرقيّة بالخيانة، ويبدؤوا المقاومة”.
الاقتصاد للحمير..
يرى ميلاني أنّ التغيير اليوم وشيك، وأنّ السؤال المطروح عمّن سيحكم إيران هو سؤال خطأ. معظم الشعب الإيرانيّ مقتنع الآن بأنّ ما اشتراه عام 1979 كحلٍّ سحريٍّ لنظام ملكيّ فاسد وقمعيّ لم يكن سوى وهم، وأنّ السؤال الصحيح اليوم هو: ما هي الأفكار التي يمكن للإيرانيّين (داخل البلاد وخارجها) أن يتوحّدوا حولها من أجل حكم ديمقراطيّ، إصلاح الاقتصاد، كبح جماح القوى الانفصاليّة، والحفاظ على السيادة والعلاقات الطيّبة مع العالم؟ كيف يمكنهم تحقيق ذلك لإخراج إيران من الشلل السياسيّ والمأزق الاقتصاديّ؟”.
يشير ميلاني إلى محاولات النظام اليوم لإعادة بناء هيكله المتزعزع، ويرى أنّ “تعيين أحمد وحيدي قائداً للحرس الثوريّ الإسلاميّ لا يبشّر بالخير، فهو متورّط بشكل مباشر في المذبحة الجماعيّة للمتظاهرين عام 2022”.
الاقتصاد يُمثّل مصدر تهديد دائم للنظام، والعلمانيّون الجدد في إيران، رجالاً ونساءً، لا يقبلون بأقلّ ممّا وُعدوا به قبل أن يُخدعوا قبل نحو نصف قرن
لكنّه يعتقد أنّ “ذلك لا يعني بالضرورة أنّ النظام سيختار مسار توسيع نطاق الحرب الحاليّة أو إطالة أمدها، أو حتّى الاستمرار في ممارساته الوحشيّة أو رعاية الإرهاب. حتّى لو حاول الحرس الثوريّ والنظام مواصلة سياسات آية الله خامنئي المتشدّدة والفاشلة، فمن غير المرجّح أن يرضى الشعب باستمرارها سياسيّاً واجتماعياًّ، وخاصّة في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة الراهنة”.
يخلص ميلاني إلى القول: “لقد رفض آية الله الخميني فكرة وجود جذور اقتصاديّة لثورة 1979، إذ قال عبارته الشهيرة: “الاقتصاد للحمير”، ورأى أنّ هدف الثورة هو إنشاء إيران إسلاميّة ورجال ونساء مسلمين صالحين، وقد عزّز خامنئي هذه الفكرة، جاعلاً من الحروب الثقافيّة عنصراً أساسيّاً في استراتيجيته للسيطرة والقمع. لكنّ الاقتصاد يُمثّل مصدر تهديد دائم للنظام، والعلمانيّون الجدد في إيران، رجالاً ونساءً، لا يقبلون بأقلّ ممّا وُعدوا به قبل أن يُخدعوا قبل نحو نصف قرن.
قد تبقى آلة النظام قائمةً اليوم، لكنّ الثورة المضادّة في الماضي تُنبئ بثورة الغد”.
ايمان شمص