حسابات موسكو وبكّين من الحرب… ورهاناتهما؟

حسابات موسكو وبكّين من الحرب… ورهاناتهما؟

حذّر وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف من أنّ “أزمة الشرق الأوسط قد تتفاقم إلى صراع أوسع”، بينما تكثّف باكستان جهودها الدبلوماسيّة لإشراك الصين كطرف ضامن في أيّ اتّفاق محتمل بين الولايات المتّحدة وإيران. في هذا الوقت يكرّر أكثر من مسؤول أوروبيّ أنّ “هذه الحرب ليست حربنا”. يأتي ذلك فيما تستعر العمليّات القتاليّة والتصعيد الأميركيّ قبل وضع حدّ لصراع له أبعاده الدوليّة، وسيكون له دوره في إعادة تشكيل المشهد العالميّ.


 

اختبار القوّة في النّفوذ والطّاقة والممرّات


لم تكن حرب الاثني عشر يوماً في حزيران 2025 حاسمة في منع امتلاك طهران سلاحاً نوويّاً واحتواء التهديد الإيرانيّ في الإقليم. أطلق الثنائيّ دونالد ترامب- بنيامين نتنياهو “حرب إيران الثانية” لاستكمال حرب الصيف الماضي. لكنّ مسعى إنهاء “الحقبة الإيرانيّة” الممتدّة منذ 2003، لم يكن ليحصل إلّا في سياق استراتيجية أميركيّة، بدءاً من فنزويلّا إلى غرينلاند وإيران لزيادة النفوذ في أسواق الطاقة والممرّات واستباق صعود الصين.


أيّاً تكن نتائج الحرب الدائرة، سيتغيّر الشرق الأوسط وتوازناته. ستؤثّر خلاصاتها على ديمومة الهيمنة الأميركيّة في المنطقة، وعلى حجم النفوذين الروسيّ والصينيّ، وعلى أوزان أوروبا والقوى الاقليميّة الأخرى.


لا يعني البعد العالميّ لهذه الحرب تأكيداً لحصول الاستقطاب الحادّ بين القوى الكبرى، إذ إنّ دعم بكين وموسكو لطهران لا يرقى إلى تشكيل محور استراتيجيّ متكامل، وهذا يشبه نوعاً ما حال المعسكر الغربيّ الذي يشهد خللاً نتيجة التباعد الأميركيّ – الأوروبيّ في حقبة ترامب.


لا ‏يمكن أن تجمع روسيا بين شراكة استراتيجيّة مع طهران، وعلاقات ثقة ومصالح مع دول الخليج، ثمّ تقف في المنطقة الرماديّة

من الناحية العمليّة، مع دخول الحرب شهرها الثاني والحصار الانتقائيّ لمضيق هرمز، تنذر التداعيات بتفاقم الصدمة النفطيّة. في الإجمال، هناك تهديد بنيويّ للنظام الدوليّ والإقليميّ، نظراً للضغط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتوازنات على ضفّتي الخليج. على الرغم من تحديد ترامب المدى الزمنيّ لإنهاء النزاع، تستمرّ الخشية من التصعيد المفرط في حال عدم تحقيق الجانب الأميركيّ لإنجاز ملموس مع احتمال تحوّل الصراع إلى نزاع طويل.


إزاء تصاعد المخاطر، يبيّن التحرّك الباكستانيّ وخلفيّته الصينيّة، صعوداً للأدوار الآسيويّة وتهميشاً للأدوار الأوروبيّة في ظلّ كسوف دور الوسيط العمانيّ. لكنّ المبادرة الصينيّة – الباكستانيّة لوقف إطلاق النار واحتواء التصعيد، المعلنة آخر آذار الماضي، تفتقر إلى آليّات تنفيذ، ولا تعالج النقاط الخلافيّة الأساسيّة، وهو ما يقلّل من فرص نجاحها ويترك قرار إنهاء العمليّات القتاليّة الكبرى، أو قرار وضع حدّ للجهد الأميركيّ بيد الرئيس دونالد ترامب.


التّموضع الرّوسيّ الحذر


بينما تواصل باكستان جهودها، تعلن طهران أنّها سترحّب باضطلاع ‌روسيا ⁠بدور الوسيط. لكن بعد شهر من الحرب، يبدو التحرّك الروسيّ متأخّراً لأنّ موسكو لا تودّ إغضاب دونالد ترامب نظراً لصلاته مع فلاديمير بوتين وموقفه من حرب أوكرانيا، لكنّها تستمرّ في تقديم دعم حذر لإيران تطبيقاً لمعاهدة التعاون الدفاعيّ بين الجانبين.


الحرب


تشير مصادر دفاعيّة أوروبيّة إلى تبادل نشط للمعلومات الاستخباريّة وقدرات تحديد الأهداف بين موسكو وطهران، وتمكين إيران من إعادة تموضع قوّاتها بعيداً عن متناول الرصد الأميركيّ. يسهم هذا الدعم الاستخباريّ الروسيّ بشكل مباشر في تحسين الخيارات التكتيكيّة الإيرانيّة، والتصويب الدقيق بواسطة الطائرات المسيّرة والصواريخ.


تعتبر القيادة الروسيّة أنّ الأولويّة هي الملفّ الأوكرانيّ. من هنا ترصد موسكو حاجة البنتاغون إلى تجديد مخزوناته في الأشهر المقبلة

تعتبر القيادة الروسيّة أنّ الأولويّة هي الملفّ الأوكرانيّ. من هنا ترصد موسكو حاجة البنتاغون إلى تجديد مخزوناته في الأشهر المقبلة، وهذا يهدّد بمزيد من عرقلة شحنات الأسلحة الأميركيّة إلى أوكرانيا. من جهة أخرى، تعدّ التوتّرات المحيطة بأسعار وإمدادات النفط والغاز، والناجمة عن هذا النزاع، ولا سيما إغلاق مضيق هرمز، مكسباً حقيقيّاً لبوتين. إذ من شأنها أن تُمكّنه من تعزيز موارده العسكريّة على الرغم من تشديد العقوبات الأوروبيّة والأميركيّة على روسيا.


مقابل إثبات عدم تخلّي موسكو عن طهران، وعدم رغبتها في مقارعة مكلفة مع واشنطن، يمكن أن تتأثّر مصالح روسيا مع الدول العربيّة الخليجيّة، وخصوصاً في أسواق الطاقة. في مجال آخر، تعتبر العلاقات الدفاعيّة المستجدّة بين أوكرانيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجيّ انتكاسة لموسكو. لكنّ الأولويّة لروسيا تبدو في تفادي انهيار طهران الذي سيفتح الباب أمام تغيير الشرق الأوسط، وهو ما سيضرّ بالمصالح الروسيّة على المدى البعيد.


هكذا لا ‏يمكن أن تجمع روسيا بين شراكة استراتيجيّة مع طهران، وعلاقات ثقة ومصالح مع دول الخليج، ثمّ تقف في المنطقة الرماديّة. ولذا ربّما يستخدم القيصر الروسيّ علاقته مع سيّد البيت الأبيض من أجل لعب دور وسيط فاعل يسهم في الخروج من الحرب.


الحسابات الصّينيّة الدّقيقة


يصعب التنبّؤ بالمكاسب والخسائر للقوى الفاعلة وفي طليعتها الصين، صاحبة المصالح الكبيرة في مجمل القارّة الآسيويّة. سياسيّاً، أثّرت الحرب على العلاقة الأميركيّة – الصينيّة، ودفع ذلك بالرئيس الأميركي لتأجيل زيارته لبكّين التي كانت مقرّرة في نهاية شهر آذار، إلى يومَي 14 و15 أيّار.


بعد شهر من الحرب، يبدو التحرّك الروسيّ متأخّراً لأنّ موسكو لا تودّ إغضاب دونالد ترامب نظراً لصلاته مع فلاديمير بوتين

من وجهة نظر اقتصاديّة، يهمّ بكين إنهاء الحرب بسرعة لأنّ استمرارها قد يؤثّر في إمدادات الطاقة العالميّة. تشير التقديرات إلى أنّ إيران توفّر نحو 13% من حاجات النفط الصينيّة، فيما يأتي نحو نصف مجموع وارداتها النفطيّة الإجماليّة من إيران ودول الخليج مجتمعة. يعني ذلك أنّه لا يمكن لبكّين الاستغناء عن نفط الخليج والشرق الأوسط. يعدّ موقع إيران حيويّاً بالنسبة لطرق الحرير الجديدة وتوسّع الصين الاقتصاديّ. الأدهى أنّ استخدام واشنطن القوّة الصلبة من فنزويلّا إلى إيران يكشف عجزاً صينيّاً وتجنّب المواجهة المباشرة مع الولايات المتّحدة.


من نقاط الضعف الأخرى للقوّة الثانية في العالم ، تبعيّة الصين للخارج في نيل الطاقة، خاصّة أنّها أكبر مستورد للنفط والغاز الطبيعيّ المسال في العالم. حسب التقويم الاستراتيجيّ الصينيّ، تعدّ الولايات المتّحدة قوّة متراجعة ومصدراً للفوضى، بينما تعتبر الصين أكثر إقناعاً وفق أساليب القوّة الناعمة. لكنّ بكين تعاني من الضغط الجيوسياسيّ عليها بدليل محدوديّة النفوذ الصينيّ في العالم.


على عكس المفاجأة الصاعقة في فنزويلّا، يبدو أنّ الصين تقدّم دعماً لإيران. إذ يقول مصدر غربيّ إنّ الصين ساعدت على انتقال إيران إلى نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعيّة “بايدو” BeiDou الذي أتاح لها تقويم أداء ودقّة إشاراتها العسكريّة المشفّرة في بيئة حرب إلكترونيّة معقّدة. هكذا من خلال تقديم دعم استخباريّ راداريّ وإلكترونيّ لإيران، تستطيع الصين تقويم فعّالية تقنيّاتها في مواجهة منصّات غربيّة، من دون الانخراط المباشر في القتال. ويشير المصدر إلى أنّ النتائج كانت ناجحة.


من الناحية العمليّة، مع دخول الحرب شهرها الثاني والحصار الانتقائيّ لمضيق هرمز، تنذر التداعيات بتفاقم الصدمة النفطيّة

اختبار القوّة… عند هرمز


في المقابل، أعلنت إيران أنّها ستجبي رسوم مرور من السفن وناقلات النفط في هرمز، على أن تحصل بالعملة الصينيّة، اليوان، وليس بالدولار، علماً أنّ هذا الإجراء الأحاديّ لن يكون له أيّ تأثير على تسعيرة النفط والغاز.


تراقب الصين عن كثب مجريات اختبار القوّة في مضيق هرمز، لأنّها تودّ استخلاص الدروس من أيّ مواجهة مقبلة في مضيق تايوان في ضوء تصرّف الولايات المتّحدة إزاء حرب طويلة الأمد، وأثر “انغماسها” في الشرق الأوسط على تطبيق استراتيجية الاستدارة نحو شرق آسيا.


تقلق الصين أيضاً من نجاح استراتيجية طهران غير المتكافئة (تعويض الضعف العسكريّ بتعطيل التجارة المدنيّة من خلال الصواريخ والألغام والطائرات المُسيّرة) لأنّ ذلك يمكن أن يشكّل خطراً على الصين، القوّة التصديريّة الرائدة في العالم، على الرغم من تفوّق ترسانتها بكثير على ترسانة تايوان في أيّ صراع مقبل بين البلدين.


بعد التزام الصمت الدبلوماسيّ خلال الشهر الأوّل من الحرب، أخذت الصين تدعم الوساطة الباكستانيّة، ويبدو أنّ همّها هو تماماً كما موسكو: منع انهيار إيران أو ترسيخ نفوذ أميركيّ دائم فيها.


من المبكر وضع تصوّر نهائيّ عن كيفيّة إعادة تشكيل المشهد العالميّ، لكن في موازاة الثلاثيّ الأميركيّ- الصينيّ- الروسيّ الذي سيحتفظ بموقع الصدارة في كلّ تركيبة دوليّة، لا يستبعد أن يكون الاتّحاد الأوروبيّ وحلف شمال الأطلسيّ من الخاسرين نظراً لتداعيات الحرب المباشرة على الدول الأوروبيّة، واحتمال تقويض دونالد ترامب لحلف الناتو.


 خطار ابو دياب