الإمارات خارج أوبك: تحوّل استراتيجي في موقع الطاقة والاقتصاد العالمي

الإمارات خارج أوبك: تحوّل استراتيجي في موقع الطاقة والاقتصاد العالمي

في مقال لافت نشره سفير دولة الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، في صحيفة فايننشال تايمز، قدّم قراءة عميقة لقرار أبوظبي الانسحاب من منظمة أوبك، واضعًا إياه في سياق تحوّلات هيكلية تتجاوز الاعتبارات التقليدية المرتبطة بحصص الإنتاج وأسعار النفط.

يستعيد العتيبة في مستهل مقاله تجربة شخصية تعود إلى عام 1986، حين حضر أول اجتماع له في أوبك وهو في الثالثة عشرة من عمره، برفقة والده، مانع العتيبة، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير البترول. جاءت تلك المرحلة في ظل انهيار حاد بأسعار النفط، وسط محاولات حثيثة لإعادة التوازن إلى السوق، إلا أن الاجتماعات آنذاك لم تُفضِ إلى حلول حاسمة، رغم صمود المنظمة واستمرارها.

بعد نحو ستة عقود من العضوية، جاء قرار الإمارات بمغادرة أوبك ليعكس واقعًا جديدًا، لم تعد فيه الدولة تعتمد على النفط كركيزة أساسية لاقتصادها. فاليوم، لا يشكّل قطاع الطاقة سوى أقل من ربع الناتج المحلي الإجمالي، في حين تتصدر قطاعات مثل الطيران، والخدمات اللوجستية، والتصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، والسياحة، وعلوم الحياة مشهد النمو الاقتصادي.

ويشير المقال إلى أن الإمارات عززت انفتاحها الاقتصادي عبر توقيع عشرات اتفاقيات الشراكة الشاملة مع دول حول العالم، ما أتاح لها الوصول إلى أسواق ضخمة تضم مليارات المستهلكين، إلى جانب شراكات استراتيجية كبرى، أبرزها التعاون الاستثماري والتقني مع الولايات المتحدة.

في المقابل، يرى العتيبة أن الإطار التقليدي لأوبك، القائم على إدارة جماعية للإنتاج، لم يعد يتناسب مع طموحات الإمارات وقدراتها الإنتاجية، خاصة في ظل سعيها لرفع إنتاجها إلى خمسة ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2027، واستثمار مليارات الدولارات في تطوير البنية التحتية للطاقة وتعزيز مرونة الإمدادات العالمية.

ولا يقتصر الدافع على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى رؤية أوسع تتعلق بأمن الطاقة العالمي. فالإمارات، وفق المقال، تسعى للعب دور أكثر فاعلية في ضمان استقرار الأسواق وتوفير إمدادات موثوقة، خصوصًا في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر على سلاسل التوريد وترفع كلفة الطاقة عالميًا.

وفي سياق موازٍ، تؤكد أبوظبي أنها لا ترى تعارضًا بين التوسع في إنتاج النفط والاستثمار في الطاقة النظيفة، بل تعتمد نموذجًا تكامليًا يمول فيه أحد القطاعين الآخر، مستشهدة بمشاريع مثل شركة «مصدر» للطاقة المتجددة، ومحطة «براكة» النووية، واستثمارات «أدنوك» في الحلول منخفضة الكربون.

كما يلمّح المقال إلى اعتبارات سياسية، مشيرًا إلى استمرار عضوية إيران في أوبك رغم اتهامها بتهديد أمن الطاقة عبر استهداف البنية التحتية وناقلات النفط، ما يتعارض، بحسب الطرح، مع أهداف المنظمة في تحقيق الاستقرار.

ويختتم العتيبة مقاله بإشارة رمزية إلى حديث دار بينه وبين والده، الذي شغل رئاسة أوبك ست مرات، حيث اعتبر أن ما يحدث اليوم ليس خروجًا عن المسار، بل امتداد لرؤية تأسيسية تقوم على أن النفط كان دائمًا وسيلة لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، لا غاية بحد ذاته.

بهذا القرار، تضع الإمارات نفسها في موقع جديد ضمن خريطة الطاقة العالمية، كلاعب مستقل يسعى إلى التوازن بين متطلبات السوق التقليدية وتحولات المستقبل، في لحظة يشهد فيها العالم إعادة تشكيل عميقة لمفاهيم الطاقة والاقتصاد.