اشتباكات السويداء تعيد ترسيم خارطة

موضعها الجديد في المنطقة...الإستقلال الذاتي آخر السيناريوهات
جوانا فرحات
المركزية – ماذا يحدث في السويداء؟. ففي وقت تشخص أنظار العالم نحو مصير الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية والحرب في لبنان والمفاوضات المرتقبة مع إسرائيل بوساطة أميركية وآخرها الحصار المفروض على مضيق هرمز، يبرز خبر المواجهات العنيفة التي دارت أمس في السويداء بين قوات الأمن الداخلي من جهة، و"قوات الحرس الوطني" الموجودة داخل المدينة من جهة أخرى، وبدا لافتاتبادل الإتهامات بين الجانبين بشأن الطرف الذي بدأ الهجوم.
هذا الإحتقان الذي يتفجّر بين ليلة وضحاها بين قوات الأمن السورية والحرس الوطني بات جزءا من روتين الحياة اليومية في السويداء إذ تشهد هذه المنطقة اشتباكات متكررة بين الحين والآخر، تتخللها عمليات استهداف متبادلة، غالبا ما تسفر عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.
ومنذ اندلاع المعارك الأخيرة ارتسمت سيناريوهات عديدة ومتباينة إلا أنها طويت مع الإتفاق على وقف النار وتعهُّد طرفي النزاع بعدم التدخل أو التسبب باندلاعها من جديد. إلا أن الإشتباكات الأخيرة أعادت طرح السيناريوهات وتتراوح بين الاحتواء الموقت والانزلاق نحو مزيد من التعقيد الأمني والسياسي، في منطقة لطالما اعتُبرت "إستثناءً" إلى حد ما ضمن خارطة الحرب السورية.
المرجّح حتى الآن أن تستمر حالة "اللااستقرار المنضبط"، حيث تتكرر الاشتباكات بوتيرة متقطعة من دون أن تتطور إلى مواجهة شاملة. هذا السيناريو تدعمه طبيعة التوازنات المحلية، إذ تسعى القوى الفاعلة داخل المجتمع إلى تجنب الانفجار الكبير، حفاظًا على ما تبقى من استقرار اجتماعي وأمني. إلا أن هذا النمط يبقى هشًا، وقابلًا للانهيار في أي لحظة نتيجة حادث أمني كبير أو تدخل خارجي مباشر.
في المقابل، يبرز سيناريو أكثر خطورة يتمثل في اتساع رقعة الاشتباكات وتحولها إلى صراع مفتوح بين مجموعات محلية وقوات رسمية، ما قد يدفع قوات الأمن السورية إلى تعزيز حضورها العسكري بشكل أكبر في المحافظة. مثل هذا التطور قد يؤدي إلى احتكاكات أوسع، خصوصًا إذا ترافقت مع رفض شعبي أو محلي لأي انتشار أمني كثيف، ما ينذر بدخول المنطقة في دوامة تصعيد يصعب احتواؤها سريعًا.
من جهة أخرى، لا يمكن استبعاد سيناريو "إعادة ضبط المشهد"، حيث تُفضي الضغوط المتزايدة إلى تفاهمات غير معلنة بين القوى المحلية والسلطات، برعاية أطراف إقليمية أو عبر وساطات داخلية. هذا المسار، وإن كان أقل ضجيجًا، قد يسهم في تخفيف التوتر وإعادة ترتيب موازين القوى بطريقة تقلل من احتمالات الانفجار، من دون أن تعالج جذور الأزمة بشكل كامل.
هذه السيناريوهات تبقى مطروحة على رغم كل التطورات المرتقبة مع خارطة المنطقة الجديدة والتي يرجح الكاتب السياسي خالد زين الدين أن تؤول إلى " انفصال السويداء عن سوريا وعودتها إلى الحضن الإسرائيلي ويكون مصيرها على غرار منطقة أربيل في العراق". ويكشف أن حوالى 70 ألف درزي تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية ويندرج ذلك في إطار التموضع الجديد الذي سيحصل في المنطقة ويكون الدروز والأكراد من ضمنه.
وفي هذا السياق يشير زين الدين إلى أن الخارطة الجديدة المرسومة في السويداء تتضمن إنشاء "إقليم" يمتد من سوريا وصولا إلى جبل الشيخ ومن المتوقع أن يقتطع جزءا من البقاع الغربي". ويلفت أن الإشكالات المتقطعة في المكان والزمان في السويداء ستؤثر على النفوذ السياسي للقيادات الدرزية بحيث تؤدي إلى انحسارها وقد بدأت ملامحه تتظهّر مع الزيارة التي قام بها الرئيس السابق للحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط إلى سوريا. ويكشف زين الدين أن جنبلاط أراد أن يكتسب نفوذه من جديد من خلال هذه الزيارة والسعي لدى الرئيس السوري أحمد الشرع بالتوسط لإعادة فتح علاقات جديدة مع الرئيس نبيه بري وحماية الشيعة عند الحدود الشرقية إلا أن الجواب أتى بالمباشر من الشرع"نحن نتعامل مع لبنان كما كل الدول أي من دولة إلى دولة ولا مجال للتعاطي مع أي زعيم سياسي أو حزبي".
"محاولة جنبلاط أن يكون بيضة قبان من جديد فشلت" يختم زين الدين "لأن الكرة باتت خارج القبَان وزعامته على أبناء الطائفة الدرزية باتت على المحك، إن لم نقل أنها انتهت أقله في العالم العربي والسويداء. من هنا، يبقى الإتكال على عامل الوقت لحسم مصير السويداء بعد نيلها الإستقلال الذاتي وانضمام الدروز فيها إلى إسرائيل".
ما يجري في السويداء لا يمكن اختزاله في صراع ثنائي مباشر، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عوامل داخلية تتعلق ببنية المجتمع المحلي، وعوامل خارجية مرتبطة بالتوازنات الإقليمية. هذا التعقيد يجعل أي اشتباك عرضة للتأويل والتضخيم، في ظل بيئة إعلامية متوترة ومشحونة، ما يستدعي الحذر في تحليل الأخبار المتداولة، والاعتماد على مصادر موثوقة لفهم حقيقة ما يحدث على الأرض.