عودة عايد "تيلي لوميار" و"نورسات":

عودة عايد "تيلي لوميار" و"نورسات":

صلاتنا أن تبقى شاهدة لكلمة الرب في زمن الظلمة الإعلامية والثرثرة الرخيصة وعصر تشويه الفكر والقلب والإيمان

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "في هذا الأحد المبارك الذي يسبق عيد العنصرة، تقيم كنيستنا المقدسة تذكارا لآباء المجمع المسكوني الأول، قائدة إيانا إلى التأمل في صلاة المسيح الأخيرة قبل آلامه، تلك الصلاة العميقة التي يرفع فيها الإبن عينيه نحو الآب قائلا: «أيها الآب، قد أتت الساعة، مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا». هذه ليست صلاة إنسان يهرب من الألم، بل صلاة ابن يدخل بحرية إلى سر الصليب لكي يكشف مجد المحبة الإلهية. فالمسيح، وهو يقترب من ساعة الآلام، لا يفكر بنفسه، بل بتلاميذه وبالكنيسة التي ستولد من جنبه المطعون. لذلك نسمعه يقول: «إحفظهم باسمك... ليكونوا واحدا كما نحن». وكأن الرب، قبل أن يسلم ذاته للموت، يضع في قلب الكنيسة وصية الوحدة والثبات في الحق. هذه الوحدة التي يصلي المسيح من أجلها ليست مجرد توافق بشري أو انسجام خارجي، بل شركة حياة في الحقيقة الإلهية. فالكنيسة لا تقوم على العاطفة أو الإنتماء الإجتماعي، بل على معرفة الله الحقيقي كما أعلنه الإبن الوحيد. لهذا، يقول الرب في الإنجيل نفسه: «وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته». هذا يعني أن الإيمان القويم ليس أمرا ثانويا في حياة الكنيسة، لأن معرفة الله معرفة صحيحة هي طريق الحياة الأبدية".

"هذا ما يجعلنا نفهم أيضا كلمات الرسول بولس في أعمال الرسل عندما جمع شيوخ كنيسة أفسس وودعهم بعبارات ملؤها القلق الأبوي والمحبة الرعائية. كان بولس يشعر أن الكنيسة ستدخل زمنا صعبا بعد رحيله، لذلك قال لهم: «إحذروا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه». إنه يذكرهم بأن الكنيسة ليست مؤسسة بشرية عادية وقد افتداها المسيح بدمه الكريم، لذلك فإن الحفاظ على نقاوة إيمانها ليس تفصيلا إداريا بل مسؤولية خلاصية. يتابع الرسول بولس تحذيره المؤلم قائلا إن «ذئابا خاطفة» ستدخل بين المؤمنين، وإن بعض الأشخاص سيتكلمون «بأمور ملتوية» ليجتذبوا التلاميذ وراءهم. هنا، تلتقي صلاة المسيح مع وصية الرسول. فالمسيح يصلي لكي يحفظ الآب الكنيسة في الوحدة والحق، والرسول يدعو الرعاة إلى السهر كي لا تنقسم الكنيسة بسبب التعليم المنحرف. وكأن الإنجيل وأعمال الرسل يكشفان لنا أن الكنيسة، منذ بداياتها، كانت تعرف أن الشر متربص بها، وأنها ستواجه صراعا دائما بين الحقيقة والضلال، بين الإيمان الرسولي والأفكار المضللة التي تحاول تشويه صورة المسيح".

"من قلب هذا الصراع التاريخي نفهم لماذا تحتفل الكنيسة اليوم بآباء مجمع نيقية الأول. ففي القرن الرابع ظهر آريوس، الذي علم أن المسيح ليس إلها حقيقيا، بل هو أول المخلوقات وأعظمها. قد يبدو الأمر للبعض خلافا فلسفيا أو جدالا لاهوتيا بعيدا عن حياة المؤمنين، لكن الكنيسة أدركت أن المسألة تمس جوهر الخلاص نفسه. لأنه، إذا كان المسيح مجرد خليقة، فكيف يستطيع أن يهب الإنسان الحياة الأبدية؟ وإذا لم يكن الإبن واحدا مع الآب في الجوهر، فكيف يكون اتحاد الإنسان بالله ممكنا؟ لذلك، إجتمع الآباء القديسون من أنحاء المسكونة في نيقية، سنة 325، بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير، لا ليبتدعوا إيمانا جديدا، بل ليشهدوا لما عاشته الكنيسة منذ الرسل. هناك، أعلنوا بجرأة أن الإبن هو «إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر». إن هذه العبارة التي نرددها اليوم في قانون الإيمان لم تكن مجرد صيغة عقائدية، بل هي صرخة الكنيسة دفاعا عن حقيقة المسيح ابن الله الوحيد، المساوي له في الجوهر، الذي به وحده ينال العالم الخلاص. لم يكن الآباء المجتمعون في نيقية رجال نظريات مجردة، بل كانوا شهودا أحياء للمسيح لم يساوموا على إيمان الكنيسة أيام الإضطهادات ولم ينكروا المسيح. كثيرون منهم حملوا آثار الإضطهاد في أجسادهم؛ بعضهم فقئت عيونهم، وآخرون تعرضوا للتعذيب والسجن لأنهم رفضوا إنكار الإيمان القويم. لذلك، عندما تكلموا على المسيح لم يتكلموا كمثقفين يناقشون أفكارا مجردة، بل كأشخاص عرفوا أن المسيح هو حياتهم كلها وشهدوا لإيمانهم بحياتهم ودمهم. لهذا، بقي تعليمهم حيا في الكنيسة حتى اليوم، لأنه لم يولد من كبرياء العقل، بل من خبرة القداسة والشهادة".

: "فيما تكرم الكنيسة الآباء تذكر أبناءها بأن أحد أهم ركائز الكنيسة الإيمان بأن يسوع هو ابن الله، وأن خطر تشويه صورة المسيح ما زال قائما في كل عصر. «الذئاب الخاطفة» ما زالت موجودة والأفكار الملتوية منتشرة. ففي أيامنا أيضا توجد أصوات كثيرة تريد تقديم مسيح يناسب روح العالم، مسيح بلا صليب ولا محبة ولا توبة ولا حقيقة. هناك من يختزل المسيحية إلى مجرد مبادئ أخلاقية أو نشاط إنساني، بينما الكنيسة تعلن أن المسيحية هي أولا لقاء حي مع ابن الله المتجسد، الذي مات وقام ليؤله الإنسان ويقيمه من ظلمة الخطيئة إلى نور الملكوت فيصبح نورا للأرض وملحا. قال القديس أثناسيوس الكبير: «صار الله إنسانا لكي يصير الإنسان إلها». ذكرى آباء المجامع المسكونية دعوة شخصية لكل منا. فالإيمان القويم ليس تراثا ثقافيا نعتز به فقط، بل حياة نعيشها يوميا، وشهادة رغم كل المصاعب والضيقات. نحن مدعوون أن نعرف إيماننا، وأن نقرأ الكتاب المقدس، وأن نتغذى من تعليم الكنيسة لكي نحفظ علاقتنا الحقيقية بالمسيح ونشهد لإيماننا به في كل الأوقات. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان أن يفقد المسيح من قلبه فيما يظن نفسه مؤمنا. لذا، عندما نسمع اليوم صلاة الرب: «إحفظهم باسمك»، ينبغي أن نشعر بأن المسيح يصلي من أجل كنيسته ومن أجل كل منا كي لا نضيع وسط ضجيج العالم ومغرياته، وكي نبقى ثابتين في الحق والمحبة والوحدة فيكون فرحه فينا كاملا. تذكار الآباء القديسين يذكرنا بأن الكنيسة التي أسسها الرب يوم العنصرة حية بنعمة الروح القدس وجهاد المؤمنين بيسوع المسيح ابن الله الوحيد، الذين يشهدون للحق بأقوالهم وأفعالهم وربما دمهم إذا اقتضت الحاجة".

وختم: "أخيرا، باسمي واسمكم جميعا، أتقدم بالتهاني القلبية إلى أسرة محطة تيلي لوميار ونورسات في عيدها. صلاتنا أن يرحم الرب مؤسسها الأخ نور، ويهدي الإدارة الجديدة إلى نور المعرفة الحقيقية، كي تبقى هذه الشاشة شاهدة لكلمة الرب في زمن الظلمة الإعلامية والثرثرة الرخيصة وفي عصر تشويه الفكر والقلب والإيمان. ألا بارك الرب جميع العاملين في هذه المحطة، الذين هم بدورهم رسل جدد وأدوات يستخدمها الروح القدس لتعزية كل المؤمنين".