من واشنطن إلى روما.. تغيير المكان لا يبدّل جوهر المفاوضات

من واشنطن إلى روما.. تغيير المكان لا يبدّل جوهر المفاوضات

. غسان ريفي

  شكّل قرار إسرائيل نقل المفاوضات المباشرة بينها وبين لبنان من واشنطن إلى روما استخفافًا جديدًا بالسلطة اللبنانية، التي لم تُستشر في هذا القرار، ولم يُؤخذ رأيها في تغيير مكان انعقاد المحادثات، في مؤشر واضح إلى الجهة التي تتحكم بمسار هذه المفاوضات، وتديرها، وتفرض إيقاعها وشروطها عليها.

 

وسواء انعقدت المفاوضات في واشنطن أو في روما، فإن المشهد التفاوضي لن يتغير، لا في الشكل ولا في المضمون. 



من حيث الشكل، يواجه الوفد اللبناني تكتلًا أميركيًا ــ إسرائيليًا، بما يجعل ميزان القوى مختلًا منذ اللحظة الأولى. 

أما من حيث المضمون، فتتكرر المعادلة نفسها في كل جولة: لبنان يطرح مطالبه، وإسرائيل ترفضها، ثم تُصاغ البيانات الختامية بما ينسجم مع المصالح الإسرائيلية، ويزيد من إحراج السلطة اللبنانية، قبل أن تعود إسرائيل نفسها إلى التنصل من الالتزامات التي تتضمنها تلك البيانات.


ويبدو أن إسرائيل تسعى، من خلال نقل المفاوضات إلى روما، إلى تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية والاستراتيجية، أبرزها:

 

أولًا، تخفيف وطأة الضغط الأميركي المباشر على مسار المفاوضات، ومحاولة الحد من تدخل إدارة الرئيس دونالد ترامب في تفاصيلها، بما يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمناورة.


ثانيًا، توجيه رسالة إلى الداخل الإسرائيلي مفادها أن القرار السياسي والعسكري في هذه المفاوضات لا يزال بيد الحكومة الإسرائيلية، وذلك ردًا على الاتهامات التي يواجهها رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بأنه بات يرهن القرار الإسرائيلي لرغبات الرئيس ترامب.


 

ثالثًا، إشراك إيطاليا كشريك فاعل إلى جانب الولايات المتحدة في رعاية المفاوضات، ومنحها دورًا سياسيًا في هذا المسار، مستفيدة من مشاركتها في قوات “اليونيفيل” ومن اهتمامها بتثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان.

 

رابعًا، فتح الباب أمام اعتماد عواصم جديدة لاستضافة الجولات المقبلة، مثل قبرص، وربما لاحقًا تل أبيب أو حتى بيروت، بما يتيح لإسرائيل فرض أمر واقع تدريجي يقود إلى تكريس مسار تطبيعي مع لبنان.


 

واللافت أن إسرائيل تتوجه إلى مفاوضات روما من دون أن تحمل في جعبتها أي مؤشر إيجابي على التزامها بأي بند من بنود اتفاق الإطار. فلا وقف إطلاق النار تُرجم عمليًا، إذ لا تزال الاعتداءات والاغتيالات وعمليات التدمير مستمرة، ولا الانسحاب الإسرائيلي وجد طريقه إلى التنفيذ، بل بقي حبرًا على ورق، في وقت يواصل فيه العدو توسيع احتلاله، وتثبيت وجوده العسكري، وإقامة بوابات ومنشآت في الجنوب توحي وكأنها حدود دائمة.


 

في المقابل، ترسل السلطة اللبنانية وفدها إلى روما من دون أن تكون قد حصلت على تنفيذ أي بند من بنود الاتفاق. فحصيلة خمس جلسات تفاوض سياسية، وجلسة عسكرية واحدة، كانت عمليًا صفرًا، فيما لا توحي الوقائع بإمكان تحقيق أي اختراق، ولا سيما في ظل تصريحات بنيامين نتنياهو التي يؤكد فيها رفض الانسحاب، ومنع الأهالي من العودة إلى قراهم، وادعائه أن كل ما تقوم به إسرائيل في الجنوب يجري بموافقة السلطة اللبنانية واستنادًا إلى اتفاق الإطار.


 

ورغم هذا الواقع، تواصل السلطة اللبنانية تسويق الاتفاق بوصفه إنجازًا يصب في مصلحة اللبنانيين، وتؤكد تمسكها به، على الرغم من الانتهاكات الإسرائيلية اليومية التي تنسف عمليًا كل الأسس التي قام عليها.

والمفارقة أن السلطة اللبنانية تعترف، في أكثر من مناسبة، بأن إسرائيل لا تلتزم بالاتفاق، وأن تنفيذ بنوده يواجه عراقيل كبيرة، لكنها في الوقت نفسه لا تزال تراهن على الضمانة التي يقدمها الرئيس دونالد ترامب، رغم أن سياساته تمنح إسرائيل هامشًا واسعًا من حرية الحركة، وتتبنى مواقف داعمة لها، وصولًا إلى قوله أن “خارطة إسرائيل صغيرة عليها”، فضلًا عن استمرار إدارته في تمويل الحروب الإسرائيلية، وتوفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لاعتداءاتها وجرائمها.


 

وتزداد هذه المفارقة وضوحًا إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الإدارة الأميركية كانت الضامن الأساسي لاتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، إلا أن هذه الضمانة تُرجمت عمليًا باستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وعدم تنفيذ الانسحاب، ومواصلة الاعتداءات على لبنان طوال خمسة عشر شهرًا، الأمر الذي يطرح علامات استفهام جوهرية حول جدوى الرهان على ضمانات لم تُثبت الوقائع الميدانية أنها قادرة، أو راغبة، في إلزام إسرائيل بأي تعهد قطعته على نفسها.

يمكن القول إن نقل المفاوضات من واشنطن إلى روما لا يحمل أي تغيير حقيقي في جوهر العملية التفاوضية، بقدر ما يعكس انتقالها إلى مرحلة جديدة تمنح إسرائيل هامشًا أوسع لفرض شروطها السياسية والأمنية، مستفيدة من اختلال موازين القوى، ومن الدعم الأميركي والغربي المتواصل، ومن غياب أي وسائل ضغط لبنانية فاعلة لإلزامها بتنفيذ تعهداتها.