قراءة للواقع الراهن لبنان الى اين؟ احمد المرعي

قراءة للواقع الراهن لبنان الى اين؟ احمد المرعي

الحراك الشعبي الذي بدأ في 17 تشرين الاول 2019 ما زال مستمرا حتى اليوم، والمرشح ان يطول اكثر، لاسيما وانه بدأ يلجئ الى طرق منظمة ومدروسة بألية تصعيدية،  والذي كثرت التحاليل السياسية حول ابعاده والمواقف منه، يهمنا ان نؤكد على اننا نفرق بين المطالب الاجتماعية والاقتصادية والاصلاحات السياسية  الذي حملها هذا الحراك وبين الاستغلال السياسي له الذي يريد دفع البلد نحو فوضى عارمة تجعل من لبنان وطن غير قابل للحياة .

فالازمة بعد استقالة الحكومة وتاخير دعوة رئيس الجمهورية للاستشارات النيابية الملزمة ادت الى استخدام شارع مقابل الشوارع الاخرى وما ينتجه ذلك  من مخاطر على السلم الاهلي، في ظل قيام هذا الحراك بتنظيم نفسه في تنسيقيات بين الساحات المختلفة ويتخذ قرارات من قطع الطرقات الى اغلاق بعض المؤسسات العامة في ضغط واضح لفرض تشكيلة حكومية تكون انتقالية تجري انتخابات نيابية مبكرة،  بقانون انتخابي جديد يناسبها من اجل الاطاحة بالاكثرية النيابية التي ولدتها الانتخابات النيابية الاخيرة، والتي لم يمض عليها اكثر من سنة وعدة اشهر.

والخطئ الذي ارتكب من  معظم الاحزاب الوطنية بأنها لم تتعاط مع الحراك بشكل ايجابي وجماعي منذ اليوم الاول يمنع استغلاله سياسيا ويترك لقوى سياسية ومجموعات المجتمع المدني وبعض احزاب اليسار وبعض اطراف قوى تحالف 14 آذار السابق الاستفراد في هذا الحراك واستغلال وجع اللبنانيين وتوجيهه بالوجهة السياسية التي تريد، وتضغط عبر الشارع ليأتي رئيس الحكومة معبرا عن هذه التطلعات السياسية وامتداداتها الاقليمية والدولية ويفرض شروطا لتشكيلة حكومية تتماهى مع هذا التوجه.

فالفريق الوطني اليوم امام خيارات ثلاث، اما القبول بترشيح رئيس الحكومة السابق سعد الحريري لترؤس الحكومة العتيدة انطلاقا من ايمان بعض القوى بان الحريري يشكل غطاءا دوليا وعربيا للبنان وبيده مفاتيح سيدر لمعالجة الازمات الاقتصادية مرحليا تمهيدا لبدء حفر آبار النفط والغاز والاعلان عن الكميات التي يختزنها لبنان في قعر بحره من تلك المادة الامر الذي يرفع من الثقة بلبنان ويستطيع الاخير على اساسها الحصول على القروض من السوق الغربي بعدما عجز الداخل عن توفير الاموال اللازمة للبنان والمحافظة على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية ،

الا ان ترؤس الرئيس الحريري لحكومة بشروطه ومنها عدم توزير رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل هو امر يرفضه التيار ورئيس الجمهورية ويحرج حلفائهم، وهذه الشروط تواجه بمنطق ان حكومة التكنوقراط يجب ان تشمل الحكومة ورئيسها مما يعني ان استبعاد جبران باسيل سيؤدي الى استبعاد سعد الحريري من رئاسة الحكومة

واما الخيار الاخر  الذي ينصب البحث عليه الان هو حكومة تكنو سياسي يتمثل فيها بعض ممثلي الحراك الشعبي مع القوى السياسية المتنوعة، وهو امر يحوز على موافقة العديد من القوى السياسية الا ان معضلة توزير جبران باسيل ما زالت قيد البحث والمداولة.

اما الخيار الثالث فهو تشكيل حكومة من الاكثرية النيابية برئاسة  شخصية وطنية مازالت بعض الاطراف السياسية  تدرس سلبياته وايجابياته ومن ضمنها ان تلك الحكومة قد تستفزز الحراك الشعبي ومن ناحية اخرى ستواجه انهيارا اقتصاديا وماليا كبيرا، لذلك تستبعد هذه القوى اللجوء الى هذا الخيار وعدم استخدامه الا في الحالات القصوى، والاتصالات الان تنصب على التخفيف من شروط الرئيس الحريري لقبول ترؤس حكومة تكنو سياسي تتمثل فيها القوى السياسية مع الحراك الشعبي بصورة متوازنة مع ضمانات ان لا تلجئ الحكومة الى المس بسلاح المقاومة واعتماد نظام انتخابي يقوم على ان يكون لبنان دائرة انتخابية واحدة على قاعدة النسبية او الابقاء على النظام الانتخابي الحالي مع توسيع الدوائر الانتخابية واعتماد نظام اللامركزية الادارية التي نص عليها اتفاق الطائف.

واللافت ان فكرة انشاء مجلس شيوخ بدأت تلقى قبولا عند بعض الاطراف السياسية التي كانت تعترض عليه سابقا،  وتتمسك بابقاء المؤقت في اتفاق الطائف يحكم الحياة السياسية اللبنانية وهذا يدل على ان خلخلة النظام الطائفي بدأت تتصاعد باتجاه قيام مجلسين مجلس نيابي وطني ، ومجلس شيوخ يقوم على تمثيل المكونات الطائفية في لبنان في هذا الاخير .

وبصورة أدق، لا يخفى على احد ان لبنان غير منعزل عما يجري في المنطقة العربية،  وتحديدا في العراق وسوريا وهذا يدل على ان هناك تغييرات سياسية تحاول ان تعيد رسم مهمات هذه الدول وانظمتها بما يتوافق مع التوازنات الدولية التي نشات مؤخرا، وان العديد من المحللين السياسيين اعتبروا  ان ما يجري في العراق ولبنان هو مخطط مرسوم خاصة بعد الاعلان عن افتتاح معبر بو كمال بين العراق وسوريا امتدادا الى لبنان، وما يحكى ايضا عن حلول في اليمن، وهذا يشير الى ان بعض قنوات الحوار الاقليمية والدولية قد بدأت في بلورة  مواقع هذه الدول وادوارها واين تتموضع النظم العربية في اطار المنظومة الدولية وكيف تتوزع نفوذ القوى ومصالحها في المنطقة.

وفي خضم هذا الواقع ، ان السؤال المطروح، الى أين سيتجه لبنان؟؟ هل سيتموضع مع الجانب الاميركي ام سيكون تموضعه في الجانب الذي تم التوافق عليه في إطار ضبط الساحة السورية ، مع المحافظة على  المصالح الاميركية التي ستبقى توفرها هذه الضوابط على أن يبقى سلاح المقاومة محاصرا بآلية لا يمكن تجاوزها.

نائب رئيس حزب الاتحاد – والمحامي احمد المرعي