الصناعة الوطنية خارج الحسابات المصرفية

الثلاثاء، 19 تشرين الثاني 2019 9:00:05 ص GMT+00:00الصناعة الوطنية خارج الحسابات المصرفية

الحل الموقّت الذي توصّلت إليه جمعية المصارف، لتسهيل وتوحيد وتنظيم عمل الموظفين اليومي، أرضى اتحاد نقابة موظفي المصارف ودفَعها إلى تعليق الإضراب، لكنه لم يحلّ أزمة القطاعات الإنتاجية. مئات المصانع اللبنانية التي صمدت لسنوات بوجه آلة الحرب المدمّرة، وتحدّت الإهمال الرسمي، وارتفاع أكلاف الانتاج وإقفال الحدود، معرّضة اليوم أكثر من أي وقت مضى للإفلاس والتصفية.

المنتجون اللبنانيون في الوقت الراهن تعنيهم 3 أمور في علاقتهم مع المصارف: الأول إزالة القيود على التحويلات الى الخارج كي يتمكّنوا من تسديد ثمن المواد الأولية، والثاني استمرار العمل بالتسهيلات المصرفية، أما الثالث فيتمثّل بتأمين الدولار على السعر الرسمي.

تدابير غير نافعة

على الرغم من معرفة المصرفيين أنه من دون تأمين هذه الشروط لن تستمر الصناعة، فقد أتت الإجراءات خجولة إن لم نقل معدومة، كونها أشبه برشة ماء على وجه الصناعة. فالتحويلات سُمحت فقط للأموال الجديدة المتأتّية من الخارج أي fresh money. والتسهيلات التجارية يمكن استعمالها داخلياً، ضمن الرصيد الذي وصلت إليه بتاريخ 17 تشرين الأول 2019. ولا إمكانية لتصريف الليرة الى الدولار بالسعر الرسمي.

الأمور لم تقف عند هذا الحد، بل تركت جمعية المصارف الحق لكل مصرف بتطبيق ما يراه مناسباً من هذه الاجراءات بحسب وضعه، وهنا مكمن وجع الصناعيين. إذ إن هناك بعض المصارف، إن لم نقل متعثّرة، فهي تواجه مشكلات كبيرة في السيولة بسبب استهلاك ودائعها في التوظيفات. وبالتالي لن تقدّم أي تسهيلات لزبائنها.

التعميم مؤذٍ

"يلعب مصرف لبنان والمصارف التجارية كرة القدم، وكل واحد منها يركل الكرة باتجاه الآخر، ونحن عالقون وضائعون في وسط هذه المباراة"، يقول نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش، ويضيف: "لنسلّم جدلاً أننا سرنا بما يطلبون، وأدخلنا الاموال الطازجة إلى القطاع المصرفي، ثم قررت المصارف بناءً على طلب البنك المركزي وقف العمل بها. فماذا ستكون النتيجة؟".

المشكلة لا تنحصر بسرعة تبدّل الآراء والسياسات تبعاً للظروف التي يمرّ بها القطاع المصرفي، إنما في عدم ملاءمتها وفهمها لكيفية عمل القطاع الصناعي. فهناك الكثير من الصناعات الوطنية التي تستورد المواد الأولية من الخارج ولا تصدّر.

صناعة الكرتون والتغليف packaging واحدة من هذه الصناعات، فهي لا تشغّل آلاف العمال فحسب، بل تشكّل واحدة من أهم الصناعات المكمّلة في القطاع. لكن هذه الصناعة لا تبيع للخارج بل تسوّق كل انتاجها في الداخل، وعليه فإنها لا تستطيع بحسب إجراءات "الجمعية" تأمين "الأموال الطازجة" من الخارج، لتستورد بقيمتها موادها الاولية.

"إعدام" الديون

"قبل نحو شهر كان الزبائن يتشاطرون ويسدّدون ثمن مشترياتهم على سعر 1520 ليرة للدولار الواحد. وافقنا معهم على مضض لتأمين رواتب عمالنا وتسديد بعض المدفوعات بالليرة اللبنانية. أما اليوم فقد تراجع التحصيل بنسبة 80 في المئة، وبعض الشركات والمؤسسات الصناعية وغير الصناعية لم تعد تبيع أو تقدّم الخدمات إلا مقابل الدفع نقداً. حتى أن المؤسسات التي نتعامل معها لوجستياً، كشركات تصليح السيارات، لم تعد تقبل الا بالدفع النقدي وبالدولار. ومن يرضى بالليرة اللبنانية، يحتسبها على أساس سعر صرف يتجاوز 1750 ليرة مقابل الدولار"، يوضح بكداش.

أسئلة الصناعيين وهواجسهم، تُظهر هوّة كبيرة بينهم وبين المصارف. هوّة، لم تستطع السنوات الثلاثون ما بعد الحرب ردمها. بل جرت تغطيتها بقشة السياسات التي حجّمت دورها لمصلحة الإقتصاد الريعي.

150 ألف عائلة مهدّدة

الأزمة التي لم يشهدها لبنان عموماً، وقطاعات الإنتاج خصوصاً، يجري التعامل معها من قِبل الصناعيين بكثير من الدقة. إذ إنه من أصعب الامور التي تواجهها المصانع هو تسريح العمال والإقفال. فالإستثمارات في الصناعة على صعيد اليد العاملة والماكينات والتجهيزات أكبر بكثير من غير قطاعات. وفقدان اليد العاملة الماهرة وخطوط الانتاج لا يعوَّضَان بفترة قصيرة. هذا عدا عن الشق الإنساني وتعريض 150 ألف عائلة تعتاش من هذا القطاع للفقر والعوز. مشكلات القطاع يتم وزنها بميزان "الجوهرجي"، فالمسألة ليست سهلة، والمصانع، بحسب بكداش، "عالقة بين انخفاض الانتاج وعدم قدرتها على تحصيل ديونها من الأسواق، وبين متطلباتها من أجور ومستحقات عمالها".

إطالة فترة الأزمة ستدفع الى كارثة حقيقية في القطاعات الإنتاجية. فالسياسات التي تتّبع اليوم بإعطاء العمال فرصهم السنوية، وإجبارهم على أخذ إجازات من دون راتب، وتخفيض الأجور بنسب تراوحت بين 20 و50 في المئة، والتوقف عن دفع العلاوات والمكافآت، والإستغناء عن الكثير من المصاريف، لن تعود تنفع غداً مع توقف المعامل كلياً عن العمل، وستدفع الى ثورة جياع، نعلم كيف بدأت لكن لا أحد يعرف كيف من الممكن أن تنتهي.


خالد أبو شقرا - نداء الوطن