الطبقة السياسية تدير الظهر... "تَقَصُّداً" أو "تقصيراً"!

الطبقة السياسية تدير الظهر... "تَقَصُّداً" أو "تقصيراً"!

تَتَصاعد المخاوفُ في بيروت من «التسخين» المتدحْرج الذي بدأ يشهده الشارع منذ دخول «ثورة 17 أكتوبر» شهرها الرابع، فيما يبقى ملف تأليف الحكومة الجديدة في «ثلّاجة انتظار» التوافق على تَقاسُم الحصص و«حياكة» التوازنات، بين أركان التحالف السياسي الحاكِم، في تشكيلةٍ «تُقَدَّم» للمجتمع الدولي وللانتفاضة الشعبية على أنها «حكومة الـ18 تكنوقراط».

وفي حين بقي «الوجهُ العنفي» من الثورة الذي أطلّ برأسه في الأيام الأخيرة محور اهتمام بالغٍ نظراً لِما يؤشر إليه من مرحلةٍ جديدةٍ بالكامل تنزلق إليها البلادُ التي تبدو أشبه بـ«طنجرة ضغط» على شفير الانفجار، لم يكن عابراً ارتسام مقاربتيْن للتأخير المتمادي في استيلاد حكومة حسان دياب وتَلهّي «التحالف الثلاثي» (فريق الرئيس ميشال عون و«حزب الله» وحركة «أمل» وحلفاؤهم) بتوزُّع المقاعد على سفينةٍ هالكة «تندفع نحو الصخور» فيما الدفّة متروكة على غاربها:

* أوّلهما أن الأمر يعكس خشية أطراف هذا الائتلاف من أن يحصل الانهيار الكبير على أيديهم بحيث بات تحميل هذا الانهيار «تَشارُكياً» لكل مكوّنات حكومة تصريف الأعمال أقلّ ضرراً من أن تحرق «كرة النار» المالية - الاقتصادية فقط «حزب الله» وحلفاءه.

* والثانية أن ما يحصل بين أركان «تكليف اللون الواحد» لدياب يفوق حتى الساعة قدرة الحزب على ضبْطه وإنهائه، بدليل المعلومات المتقاطعة عند أنه مستاء جداً من إدارة حلفائه للملف للحكومي والإفراط في لعبة شدّ الحبال حول الأحجام فيما الحاجة ماسة إلى قفْلِ ولو «بابِ ريحٍ» واحد يشكّله استمرار المماطلة في عملية التأليف التي يتعاطى معها الحزب على قاعدة رفْض خروج أي مكوّن من فريق «8 آذار» منها وضبْط توازناتها وشكلها بما يُرْضي الرئيس المكلف ويمنع «الاستقواء» عليه وتالياً بما يمنحه هامشاً لـ«تثبيت أقدامه» داخلياً في البيئة السنية أولاً وبالحدّ المتاح ثانياً أمام الشارع المنتفض، والأهمّ تجاه الخارج الذي يتواصل معه دياب ولا سيما الجانب الأميركي.

وإذ تشي المقاربتان بنتيجة واحدةٍ هي أن الطبقة السياسية تدير الظهر، «تَقَصُّداً» أو تقصيراً، للواقع الدراماتيكي الذي انحدر إليه لبنان، حَمَل يوم أمس محاولاتٍ متجددة لإعطاء دفْعٍ لمسارِ تفكيك التعقيدات في الملف الحكومي، حيث تبرز «جبهات» عدة، سواء بين رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل، أو بين الأخير ورئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية (كلاهما حول الثلث المعطّل)، أو بين باسيل ودياب حول «المعيار» لاختيار الوزراء وما يعتبره الأوّل أحقية له في تسمية الوزراء المسيحيين من حصّته وعون على غرار ما يحصل مع الثنائي الشيعي والرئيس المكلف.

وجاء اللقاء الذي جَمَع أمس دياب وفرنجية بحضور المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل والوزير علي حسن خليل (معاون بري) في منزل الرئيس المكلف ليعكس حرص الحزب على استعجال إخراج الحكومة من عنق الزجاجة، وسط معلومات تحدّثت عن أن هذا اللقاء أفضى إلى تليينٍ أقرب إلى الموافقة من دياب على توسيع حكومته من 18 إلى 20 وزيراً بما يحلّ عقدتيْ تحسين التمثيل الكاثوليكي والدرزي بإضافة مقعد لكل منهما وتالياً تحصين التمثيل السياسي لـ«المردة» بوزيرين وفتْح الباب أمام معالجة مشكلة توزير «القومي الاجتماعي»، في حين بقيتْ دوائر سياسية على حَذَرها حيال الجزم بما إذا كانت هذه المناخات سـ«تصمد» وأنها لن تولّد تعقيدات جديدة.

وتوقفتْ هذه الدوائر عند «تنظيم» السلطة السياسية «صفوفها الأمنية» لمواجهة الموجة العنفية من الثورة (ضربتْ عصر أمس موعداً متجدّداً لاحتجاجاتها ولليوم الثالث على التوالي في محيط مقر البرلمان)، في ما بدا محاولةً استباقية لـ«توفير ممرّ سالك» مزدوج: أولاً للحكومة العتيدة عبر السعي إلى «خنْق» الاعتراضاتِ التي جعلتْها بحُكم «فاقدة الثقة» شعبياً أو الدفْع نحو المزيد من «عنْفنتها» لإجهاضها وتأليب «أبنائها» عليها.

وثانياً للجلسة العامة التي يعقدها مجلس النواب الأربعاء والخميس لإقرار مشروع موازنة 2020، وسط تحذيراتٍ نُقلت عن بري بأنه لن يسمح بأن يتكرّر ما حصل في نوفمبر الماضي حين مُنع النواب من الوصول الى البرلمان الذي برز أمس تركيب بوابات حديد عند أحد مداخله الرئيسية.

 وفي هذا الإطار وغداة مواجهات الويك اند «اللاهب» التي أفضتْ ليل الأحد أيضاً إلى سقوط نحو 145 جريحاً وسط انتقاداتٍ من المحتجين لاستخدام القوى الأمنية الرصاص المطاطي «مستهدفاً العيون» إلى جانب القنابل المسيلة للدموع رداً على تعرّضها للرشق بالحجارة والمفرقعات النارية وتحطيم زجاج بعض المحلات التجارية، انعقد الاجتماعٌ الأمني في القصر الجمهوري الذي ترأسه عون وضم وزيري الداخلية والدفاع وقادة الأجهزة الأمنية.

وفيما عكس الاجتماع، وهو الأول منذ اندلاع الانتفاضة، في جانبٍ منه الخلاف بين عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الذي غاب بعدما رَفَض مجدداً انعقاد المجلس الأعلى للدفاع لاعتباره أن أصل المشكلة سياسي وحلّه لا يكون أمنياً، فإن رئيس الجمهورية دعا الى «التمييز بين المتظاهرين السلميين والذي يقومون بأعمال شغب واعتداءات»، قبل أن يستمع الحاضرون الى تقارير قدّمها رؤساء الأجهزة عن «الاجراءات التي اعتُمدت لمواجهة العناصر التي تندسّ في صفوف المتظاهرين للقيام بأعمال تخريبية والتي اتضح أنها تعمل ضمن مجموعات منظمة»، في ظل معلومات عن أنه تقرر ردع المجموعات التخريبية وحماية المتظاهرين السلميين والممتلكات العامة والخاصة.

وكان الحريري واكب الاجتماع مغرّداً «أن الاستمرار في دوامة الأمن بمواجهة الناس تعني المراوحة في الأزمة وإصراراً على إنكار الواقع السياسي المستجدّ»، معلناً «المطلوب حكومة جديدة على وجه السرعة تحقق بالحد الأدنى ثغرة في الجدار المسدود وتوقف مسلسل الانهيار والتداعيات الاقتصادية والامنية الذي يتفاقم يوماً بعد يوم. واستمرار تصريف الأعمال ليس الحلّ، فليتوقف هدر الوقت ولتكن حكومة تتحمّل المسؤولية».

الراي