الجمهورية العربية المتحدة والبصمات الخالدة بقلم خالد حنينه

٥/‏٦/‏٢٠٢٠

الجمهورية العربية المتحدة والبصمات الخالدة بقلم خالد حنينه

حين تجلت استراتيجية الجمهورية العربية المتحدة بمظاهرها، ابّان العدوان الثلاثي على مصر، لبى فيه كثير من رجال مصر وسورية المخلصون نداء الواجب الوطني والقومي، وعمدوا إلى نسف أنابيب النفط وتعطيل حركة الملاحة في قناة السويس، كانت دهشة المعتدين بالغة، عندما أحسوا بالشلل الذي أصاب تجارتهم؛ ولعل قضية النفط هي القضية الوحيدة التي شغل آنذاك بال السيد مندريس رئيس الوزراء التركي، حين علم بأمر الوحدة المصرية السورية، فقال متألماً:" ان الجمهورية العربية المتحدة تملك حاليا كل الممرات المباشرة التي يمر بها أكثر من 90% من بترول الشرق الذي تستهلكه أوروبا الغربية "، فتحول هدف الدول الإستعمارية إلى القضاء على مشروه النهضة العربية الذي يحتم القضاء على الحركة التحررية في سورية، فأخذت نعقد الإجتماعات تلو الإجتماعات، وتكرس المبالغ الطائلة وتختلق الأعذار الواهية للوصول إلى أهدافها وفرض حصار اقتصادي حول سورية ومصر، وتحريك الأذناب والتابعين في تركيا والكيان الصهيوني، فعرض الجيش التركي عضلاته مع الأسطول السادس المتواجد قرب الحدود السورية، غير أن الشعب العربي وفي طليعته رجال دمشق والقاهرة لم ترخ همته ولم تهن عزيمته، فقد صمد صمود الشاهقات في وجه الأعاصير والغزوات التي انصبت عليه من كل جانب فأسقط كل المشاريع الإستعمارية الهدامة، وبإختصار لقد أرادت الإستراتيجية الغربية عزل سورية ومصر .. إلا أن الجمهورية العربية المتحدة هي التي عزلت قوى الإستعمار في كل ميدان نزلت فيه.



تالياً، عمد الكيان الصهيوني وهو جسر الإستعمار وأحد أذنابه في الشرق، إلى حشد قواته وتكرار اعتداءاته وتحرشاته الآيلة إلى تقسيم دولة الوحدة إلى اقليمين متباعدين ليتيح لجنوده فرصة للتدرب على خوض المعارك في أراضٍ وأجواء وتضاريس مختلفة، غير أن استراتيجية الجمهورية العربية المتحدة لا تدفعها إلى التفريط بما تطمح إليه، والإنحياز إلى هذه الكتلة أو تلك، فهي بحاجة لحفظ السلام وصرف المعسكرين العالميين المتواجدين آنذاك، عن فكرة الحرب والدمار، ذلك عن طريق الإلتزام بالحياد الإيجابي والدعوة اليه، لذلك فإن الحياد الإيجابي كان يُعتبر ميزة من أبرز ميزات القومية العربية المتمثلة بالجمهورية العربية المتحدة الهادفة لإنقاذ البشرية من هلاكٍ أكيدٍ ومحتم، وإن الجمهورية العربية المتحدة حين تمسكت بالحياد الإيجابي كانت تُدرك تماماً أن هذا الحيد هو خيرٌ للإنسانية جمعاء، وما نجاح الدعوة إلى الحياد الإيجابي واعتناق أممٌ كثيرة لمبادئه إلا دليل واضح على أهميتها لمنع انفجار الصراع بين الكتلتين الغربية المتمثلة بقوى الإستعمار والرأسمالية والأخرى شيوعية متمثلة بالإتحاد السوفياتي آنذاك، وكلا المعسكرين يعترفان بافتقارهما إلى تصحيح أوضاعهما ولا يستطيعان سلوك أي سبيل لتحقيق ذلك.

أما الأمة العربية فقد كانت منقسمة إلى أقطار متفاوتة من الناحية الإجتماعية، فمعظم هذه الأقطار خاضع لحكومات لا تمثل مطلقا ارادة الشعب العربي وأهدافه، إنما تعتمد هذه الحكومان فرض سيطرته وخنق الحريات العامة والتلاعب بمقدرات البلاد، من هنا فإن التطور الإجتماعي عمل لتقريب وجهات النظر وتنقيح الأنظمة .. كل الأنظمة بأساليب ترمي إلى تحقيق الحرية والعدالة ورفع مستوى الإنسان.

ان دولة الوحدة – الجمهورية العربية المتحدة التي اعتبرها المطلعون آنذاك دولة حيادية، وإن مصر وسورية دعامتان من دعائم الحياد الإيجابي في العالم، وإيمانهما بالحياد هو الطريق الأمثل للدول الناشئة لتلقين الدول الإستعمارية اسس الحضارة الإنسانية والتقدم والرخاء، ويصبح بمقدورها أن تجري تجربة مستقلة للتخلص من الذين يصوغون اشكالاً استعمارية جديدة للتنكيل بالقوميات التي تأبى الخضوع او تحت نفوذها.

لا شك أن تجربة الوحدة دوّت في العالم العربي من المحيط إلى الخليج أصداء البهجة وأصداء الفرح التي لا تُقدر ولا توصف، فالوحدة حقيقة تاريخية وحقيقة جغرافية وحقيقة اجتماعية تستمد جوهرها من وحدة الكفاح ضد الإستعمار والصهيونية والرجعية، في سبيل إقامة نظام ديمقراطي شعبي سليم في مجتمع يفجر طاقات الشعب الخلاقة التي تمكّن أمتنا العربية من المساهمة الفعلية في الحضارة الإنسانية وتنشد صداقة شعوب العالم والتعاون الإيجابي فيما بينها خدمة للسلام العالمي.

كل التحية إلى روح قائد الثورة العربية رئيس الجمهورية العربية المتحدة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

وعاش نضال أمتنا العربية على طريق الحرية والاشتراكية والوحدة