تطوير التعاون الاستراتيجي مع روسيا بعد الصين: هل تكمل طهران استدارتها نحو الشرق؟

٢٧/‏٧/‏٢٠٢٠

تطوير التعاون الاستراتيجي مع روسيا بعد الصين: هل تكمل طهران استدارتها نحو الشرق؟

لم تكتف إيران في الآونة الأخيرة بتدشين طريق جديد نحو الشرق من خلال التوافق الطويل الأمد مع الصين، إذ أظهرت قبل أيام أنها بصدد تطوير طريق قديم تم فتحه مع روسيا قبل عشرين عاماً. الأخيرة شاركت إيران نظرتها حول الحقائق العالمية الجديدة التي توجب فتح النقاش مجدداً، لكن يبقى السؤال الحاضر دائماً: أين سيكون الغرب من هذه المسارات؟

على الرغم من حساسية الذاكرة الإيرانية تجاه المعاهدات الطويلة الأمد، فإن هذا التوجّس تخطّته قيادة طهران قبل سنوات عندما وقّعت الاتفاق النووي الذي تبلغ مدته 25 عاماً. كذلك، أعلنت في الآونة الأخيرة توجّهها نحو توقيع اتفاق تعاون استراتيجي مع الصين بمدة زمنية تصل أيضاً إلى 25 عاماً، الأمر الذي قاد إلى تساؤلات داخلية وخارجية حول نية إيران «الاستدارة نحو الشرق». وقبل أن ينتهي النقاش حول هذا التساؤل، كان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يحطّ في العاصمة الروسية موسكو، حيث أفصح منذ اللحظة الأولى لوصوله أن جدول أعمال لقاءاته مع المسؤولين الروس يتضمّن ملف تمديد الاتفاقية الاستراتيجية التي نَظّمت العلاقات بين البلدين في الـ 25 سنة الماضية، مبدياً استعداد طهران لفتح باب النقاش إن كان الطرف الروسي يرغب في اتفاقية طويلة الأمد.


اتفاقية 2001

الاتفاقية المذكورة وُقّعت مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أثناء زيارة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي لموسكو في 12 آذار/ مارس 2001. تضمّنت إعلان مبادئ للعلاقات والتعاون نص على «التزام الطرفين بعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها إزاء بعضهم البعض، وعدم إتاحة أراضيهما لأي أعمال عدوانية أو إرهابية تمسّ أمن البلدين، فضلاً عن عدم تقديم مساعدات لأي جهة تفكر في الاعتداء على أي منهما». وأصدر الطرفان بياناً مشتركاً حول مستقبل بحر قزوين قالا فيه إن «البحر يجب أن يبقى بحراً للسلام والصداقة»، مؤكدين اعترافهما بالمعاهدات السابقة بين البلدين بخصوص هذا الموضوع. وصرّحا علانية في حينه بعدم تقبّلهما مدّ أنابيب للغاز والنفط في قاع البحر، كذلك، أوضحا أن «البحر يستخدم حصرياً للأهداف السلمية ولا يسمح بالوجود العسكري فيه». كما نصت المادة السادسة من الاتفاق على «المساعدة في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وبناء محطات الطاقة النووية، والتعاون في مجالات الصناعة، والعلوم والتكنولوجيا، والزراعة، والصحة العامة». وتناول الإعلان كذلك «التوافق على تبادل المعلومات والخبرات وتيسير الحصول على التأشيرات، وتوسيع التعاون الثقافي والأكاديمي، بما يتضمّن تعليم الفارسية والروسية في البلدين، وتنمية العلاقات البرلمانية والأنشطة البيئية المناسبة ومكافحة أشكال العنصرية المختلفة». وتعهدت روسيا، بحسب ما ورد في الاتفاق، «تأمين حاجات إيران من السلاح»، وقد حددت سقف ذلك بـ 300 مليون دولار سنوياً. واتفق الطرفان على أن يكون عمر هذا الاتفاق عشر سنوات، على أن يُجدد تلقائياً لمدة خمس سنوات إن لم يطلب أحد الأطراف كتابياً قبل سنة من موعد انتهاء المدة تعديل الاتفاق أو إلغاءه.


نحو إطار يتناسب والتطورات

وبعدما استفاد الطرفان من الشق الأوّل من هذا البند مرّتين لتجديد الاتفاق، يعودان في المرة الثالثة للاستفادة من الشق الثاني، إذ أكد ظريف، في ختام مباحثاته مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، أن «التجديد التلقائي لتلك الاتفاقية لا يتماشى من وجهة نظر إيران مع الحقائق الدولية الراهنة، ولا مع نوعية العلاقات الثنائية التي تجمع طهران وموسكو»، فيما قال لافروف إن «عشرين عاماً مرّت على توقيع هذه الاتفاقية، وهي فترة طويلة شهدت تطورات واسعة على الصعيد العالمي وكذلك التهديدات والتحديات، ومنها الإرهاب وتغييرات المناخ وتفشي الفيروسات».

دوافع كثيرة، برأي مراقبين، قادت الطرفين إلى التوافق على فتح الملف للنقاش من جديد. فلا مكانة إيران ولا روسيا اليوم على المستويين الدولي والإقليمي بنفس المكانة التي كانا عليها عام 2001، كما أن البلدين في العشرين عاماً الماضية اضطلعا بأدوار مشتركة، بدأت من التنسيق في أفغانستان بعد أشهر على الاتفاق المذكور، وتُوّجت بالتعاون العسكري والأمني الذي لا يزالان يقومان به معاً حتى الآن في سوريا والعراق. ولأن هذا التعاون غير مدرج في اتفاقية 2001، فإن التباينات والاختلافات التي تظهر بين فترة وأخرى هي طبيعية، الأمر الذي يستدعي رسم معايير جديدة لتأطير تلك العلاقات من أجل حماية المنجزات المشتركة.

في السياق، يقول الصحافي الإيراني سياوش فلاحبور، إن «توجه طهران نحو موسكو يأتي استمراراً لسياسة البلاد الخارجية المتبعة منذ عقدين، والتي تقوم على توطيد التعامل مع القوى الشرقية في جميع الأصعدة، وإبقاء التعامل مع الدول الأوروبية في الإطار الاقتصادي وبشكل محدد»، لافتاً في حديث إلى «الأخبار» إلى أن «إيران لا تقصد بالقوى الشرقية روسيا والصين فقط، بل ماليزيا وكوريا الجنوبية والشمالية وغيرها». وفي قراءة لدلالات الخطوة الإيرانية مع روسيا والصين، أوضح فلاحبور أن «إيران أرسلت بهذه التوجهات رسالة للغرب مفادها أننا لسنا محتاجون إليكم، بل لدينا خيارات قوية جداً لتعويض الخسائر التي لحقت بنا نتيجة التعامل معكم»، مشيراً في هذا الإطار إلى أن «قدرة إيران على المقاومة والصمود أمام الضغوط والعقوبات تعود إلى علاقاتها القوية مع هذه القوى الشرقية».


انعكاسات سياسية واقتصادية

من جانبها، بيّنت صحيفة «إيران» الحكومية، في معرض تعليقها على الإعلان الذي صدر من موسكو، أن «طهران تعتقد أن هناك فرصة مواتية لها من خلال الاعتماد على قدرة جيرانها القريبين والبعيدين في آسيا والشرق الأوسط»، لكنها في الوقت ذاته اعتبرت في تقرير ورد في القسم السياسي أن «التحرك في خضمّ هذه التطورات نحو صياغة وتوقيع وثيقتين استراتيجيتين مع الصين وروسيا يظهر أن العلاقات بين إيران والدول الآسيوية اتخذت جانباً استراتيجياً في حكومة روحاني». وهو الأمر الذي يدحض عن الحكومة، وفق الصحيفة، كل اتهامات المعارضة لها بأنها مهتمة بالنظر إلى الغرب وتجاهل الشرق.

كذلك، رأى الدبلوماسي الإيراني السابق محسن باك آئين، في موافقة روسيا والصين على اتفاقية طويلة الأمد مع إيران، دليلاً على «زيادة الثقة المتبادلة بين الجانبين، مؤكداً في مقاله بصحيفة «إيران» أن «هذه الأطراف الدولية باتت بهذه الموافقة مقتنعة بأن إيران يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً ومستقراً لهم». رؤية باك آئين تقاطعت مع ما جاءت به صحيفة «وطن إمروز»، التي رجحت أن «يكون تمديد الاتفاق الروسي - الإيراني لـ 20 عاماً أخرى، بعد التوافق مع الصين على توقيع اتفاقية لمدة 25 عاماً، علامة على العلاقة الجيدة بين إيران والقوى الشرقية». أمّا الكاتب الإيراني رضا حجت، فوضع هذه «التوافقات الثنائية أو المتعددة الأطراف في سياق سعي الدول الثلاث (روسيا والصين وإيران) لصناعة قرار دولي يقضي بالتخلي عن النظام العالمي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة»، لافتاً في مقال على صفحات «جوان» الأصولية إلى أن «هذا الأمر يشكّل رسالة مهمة تتم متابعتها عن كثب في واشنطن أكثر من بكين أو موسكو».

اضطلع البلدان في العشرين عاماً الماضية بأدوار مشتركة بدأت من التنسيق في أفغانستان


بحسب مراقبين في طهران، فإن عوائد هذا المستوى الذي وصلت إليه العلاقات بين طهران وكل من موسكو وبكين ستنعكس إيجاباً على احتياجات إيران، نظراً إلى أن الصين وروسيا، كما تجزم صحيفة «جهان صنعت» الاقتصادية، «تمتلكان القدرة على القيام بعمليات الاستثمار التي تلزم إيران». كذلك، فإن التوجه للتوقيع على توافقات استراتيجية مع روسيا والصين في ذات الوقت سيصنع، وفق رأي باك آئين، «توازناً سياسياً أكثر منطقية بين شركاء طهران الاقتصاديين»، فضلاً عن أنه «سيزيل آثار العقوبات التي طالت الاقتصاد الإيراني»، والتي تسببت أيضاً في فراغ في البنى التحتية الإيرانية، حيث يتوقّع سياوش فلاحبور أن «تملأ الاتفاقيات المنوي توقيعها هذا الفراغ».

بدوره، دعا الكاتب الإيراني في صحيفة «خراسان» الأصولية، هادي محمد، إلى انتظار الشكل الذي ستكون عليه ردة فعل أوروبا وكوريا الجنوبية وحتى الهند على هذه الاتفاقيات، بعدما كانوا قد مرّروا بسهولة استهداف المصالح الاقتصادية والأمنية لإيران من قبل أميركا. لكن الخبير في الشؤون الدولية داود هرميداس باوند، لا يعتقد أن «يُغيّر التفاوض الإيراني مع روسيا كثيراً في موقف الولايات المتحدة»، لأن «موسكو تعطي إيران السلع وعملاتها الوطنية، ولا تتعامل معها بالعملات الصعبة، وهو يُعدّ التزاماً دقيقاً بالعقوبات الأميركية».

ذكريا ابو سليسل