التسوية المؤجّلة: المالية لبري والداخلية للحريري؟

١٨/‏٩/‏٢٠٢٠

التسوية المؤجّلة: المالية لبري والداخلية للحريري؟

رغم الألغام الداخلية التي زنّرت المبادرة الفرنسية، لا أحد من قوى "الأمر الواقع" يتحمّل أن تلصق به تهمة "تفشيل" مسعى الرئيس ايمانويل ماكرون ومنع وصول دولارات الاستثمار من بوابة مشروع الحلً الاقتصادي والمالي والإصلاحي المرسوم للبنان. لذلك، فالاعتذار مؤجّل والتفاوض مستمرّ.

حتى الفرنسيين أنفسهم ليسوا في وارد الاستسلام بسهولة. تؤكد مصادر موثوقة مطلعة على الموقف الفرنسي أنّ "ماكرون لن يتخلى عن الورقة اللبنانية كأحد أهمّ أوراقه الفرنكفونية في المنطقة. أقصى ما يمكن أن يذهب إليه الجانب الفرنسي هو اللجوء إلى الخطة "ب" مع أسلوب تعامل مختلف، لكن دائماً من ضمن سيناريو محاولة حلّ الأزمة وليس هدّ السقف فوق رؤوس اللبنانيين، خصوصاً مع الضغط الاميركي المتزايد المعاكس لمسار المبادرة الفرنسية".

والمسعى الأخير الذي سُجّل، وفق المصادر، كان التفاوض الفرنسي المباشر مع الرئيس سعد الحريري لتجاوز عقبة المالية. وقد تولّاه ماكرون شخصياً بعدما تجاوب الفرنسيون مع كسر المداورة، طالما أنّ الاسم الشيعي الذي سيتمّ اختياره للمالية ليس هناك غبار على كفاءته وعدم تبعيته السياسية ولأنّ باريس لم تضع أصلاً فيتو طائفي على أي حقيبة".

وتضيف المصادر: "لكثير من الاعتبارات الخاصة بالحسابات الفرنسية الداخلية والخارجية، فإنّ ماكرون لن يتراجع عن إكمال مهمّته ولن يستسلم. ولعل الدليل الأكبر على ذلك اعتماده أسلوباً غير معهود منذ توليه مهامه الرئاسية عام 2017 بالاتصال شخصياً بقيادات سياسية في بلد يعاني من أزمة متشعّبة ما جعله أشبه بشيخ صلح، بين المكوّنات اللبنانية المتخاصمة"، مؤكدّة أنّ "الفرنسيين تحوّلوا إلى كاسحة ألغام ليس فقط أمام ولادة الحكومة بل أمام التمهيد لمشروع ثلاثي يشرفون عليه بالمباشر قوامه BOT في المرفأ والكهرباء واستخراج الغاز، بتوافق فرنسي أميركي. وكرمى لعيون هذا المشروع فإنّ اعتذار دياب إما لن يحصل أصلاً، فتولد الحكومة، أو سيتأخّر، بغضّ النظر عن المهل الضاغطة".

وفق معطيات الساعات الأخيرة ورغم التفاوض الصعب حول آلية تسمية الوزراء و"مصير" الحقائب السيادية والخدماتية إذا ما كرّست واقع بقاء حقيبة المال للطائفة الشيعية، فإنّ تشكيلة مصطفى أديب التي قد يقدّمها إلى رئيس الجمهورية للتوقيع عليها وليس لردّها، لن تغيّر، برأي مطلعين، في "توازنات" الحقائب السيادية: حقيبة المالية ستبقى بيد الطرف الشيعي. هذا أمرٌ محسوم ولا تراجع عنه مهما كان الثمن. واقع سيقود الى الأرجح الى إبقاء وزارة الداخلية بيدّ الطرف السني، وحقيبتيّ الدفاع والخارجية بيدّ المسيحيين.

وبالتالي فإن هامش المناورة الإصلاحي سينحصر بعدد الوزراء ونوعية الأسماء وتوزيعة الحقائب الأخرى على أساس خلطة جديدة ستترجم بشكل واضح في الطاقة والاتصالات.

ويقول مطلعون إنّ "الحريري الذي يبدو عرّاب تأليف الحكومة لن يكون سهلاً عليه فصل المسارات في الحقائب السيادية بالتخلي عن الداخلية لوزير غير سنيّ بعد التشبّث الشيعي بحقيبة المال، بحيث تقتصر المداورة على الداخلية والدفاع والخارجية".

ويؤكد هؤلاء أنّ "موقفاً كهذا سيضعفه أكثر أمام جمهوره، وهو يعلم ذلك جيداً، بعدما اختبر سلسلة من النكسات ليس آخرها عدم حصوله على غطاء سعودي لعودته الى رئاسة الحكومة، مع العلم أنّ الثنائي الشيعي كما رئاسة الجمهورية يوجّهون اتهامات مباشرة للحريري بالإتيان "بجماعته" لتوزيرهم في الحكومة وبالانصياع لمشروع له امتدادات خارجية يتردّد صداه في مواقف المسؤولين الاميركيين مؤخراً".

ووفق مصادر الثنائي الشيعي فإنّ "الإصرار على المداورة، خصوصاً من جانب "محفل" رؤساء الحكومات السابقين، هو التفتيش عن "مشكل" لا نريده. فالدفاع والخارجية والداخلية وزارات لها خصوصيتها السياسية والأمنية وتعيين وزير شيعي في أي منها يسمّيه الثنائي الشيعي في هذه المرحلة الحسّاسة ليس بالقرار الداخلي بالسليم والذي قد يفتح علينا أبواباً مغلقة"، مؤكدة أن وقوف "بعض اطراف الداخل بوجه التسهيل الفرنسي ليس سوى تنفيذ لأجندة اميركية واضحة".

وحتّى يوم أمس كانت الاتصالات الداخلية بكافة الاتجاهات تختزن، إلى العقد المعلنة، إشكالياتٍ لم تظهر بعد إلى العلن، ومنها توجّس الفريق الشيعي من العقلية التي ستتحكّم بإدارة المرحلة ومطالبة الرئيس المكلّف، في حال صدور مراسيم حكومته، بصلاحيات استثنائية لم تأتِ على ذكرها بنود المبادرة الفرنسية، تماماً كما لم تتطرّق إلى المداورة التي أثيرت كـ"تكليف" خارجي ينفّذه أفرقاء في الداخل".

أما التوجّس الأكبر لدى هذا الفريق فيتأتى "من سلوكية متوقعة للرئيس المكلّف بعد "بروفا" تشكيل الحكومة التي افتقدت إلى احترام اللياقات من قبله وأسّست لأعراف بأن تتشكّل حكومة على أيدي رؤساء حكومات سابقين، فيما رئيس الحكومة المعني ينفّذ فقط. وبالتالي هي سلوكية قد تمتدّ لتشمل إدارة المرحلة من ملفات اقتصادية مالية حساسّة معالجتها لا تحتاج فقط إلى قرار اقتصادي مالي محض بل إلى قرار سياسي أيضاً"!

في مقلب الفريق السنّي ثمة من كان يردّد أمس إنّنا "نشهد الترجمات الأولى للمؤتمر التأسيسي من نافذة حقيبة المالية، التي قد تدفع المتمسّكين بها إلى استخدام سياسة الأرض المحروقة بهدف السيطرة المستمرّة على قرار أيّ حكومة مقبلة، وموقف حزب الله العلني أمس كان الأكثر دلالة على ذلك".

ملاك عقيل - أساس ميدي