أنتمي إليه؟ … أو لا أنتمي إليه؟

١٧/‏٢/‏٢٠٢١

أنتمي إليه؟ … أو لا أنتمي إليه؟

} د. محمّد أمين الضنّاويّ*

«ينتمي إليه أو لا ينتمي إليه»، مصطلحٌ في درس الحساب تعلّمته في المدرسة، وفي المرحلة الابتدائيّة تحديدًا عندما كانت مناهج الريّاضيّات والعلوم تُدرّسُ باللغة العربيّة. وكم كنتُ أشعر بالفخر والفرح عندما يكون جوابي صحيحًا وأعرفُ مَن ينتمي، ومَن لا ينتمي إلى المجموعة!

إلّا أنّه وفي الآونة الأخيرة، كثيرًا ما يخطر هذا السؤال على بالي، لا بل يُلحّ عليّ كي أجد الجواب الشافي له: هل أنتمي إليه أو لا أنتمي إليه؟ هل أنتمي إلى هذا «الكِيان –

 لبنان» أو لا أنتمي إليه؟ ولكنّ الجواب عن هذا السؤال سواء أكان إيجابًا أو سلبًا، كِلا الأمرين مؤلم. كيف لا؟ هل أنتمي إلى مجتمع يسوده النفاق والكذب؟ مجتمع يحمل شعارات التقدّم، والرقيّ، والأخلاق قولًا فقط لا فعلًا. لا بل أكثر من ذلك، مجتمع يدّعي معظم زعمائه الحفاظ على القوانين، ولا ينفكّون بالإدلاء بالتصاريح العلنيّة عن سعيهم الدؤوب لتحقيق العدل والتنزّه عن كلّ ما يُسيء إلى الآخرين، وبأنّهم الشرفاء النزيهون وبأنّ الآخر هو الفاسد السيِّئ. وفي حقيقة الأمر، هؤلاء يسعون لا بل يعملون بدأب وجدّ كي يحقّقوا مصالحهم الشخصيّة. يحملون لواء الدين والمذهب، ويصدحون عاليًا للمحافظة عليه، وفي حقيقة الأمر، هم أبعد عمّا أتى به الدين من قِيم، إنّما يتستّرون خلفه للحفاظ على مصالحهم الشخصيّة…

«الوطن» هو ليس فقط الأرض التي نعيش عليها ونشتاق إليه إذا ابتعدنا عنه، إنّه المكان الذي ننتمي إليه ليس قولًا، بل فعلًا. فالوطن يكون بتضافر الجميع أفرادًا، وقادة، وزعماء، ورؤساء للحفاظ عليه، والحفاظ على مقدّراته، والدّفاع عنه، والمضيّ في ركب التطوّر، والتقدّم، والعلم، والمعرفة… فأين مجتمعنا وهذا – «الكِيان لبنان» – من مفهوم الوطن؟ أنا لا أنتمي إلى مجتمع وكِيان، كهذا. لا أشعر أبدًا ولا للحظة بالانتماء إليه، الكثيرون ولاؤهم لجيوبهم، ومصالحهم الشخصيّة، إلاّ ما يُسمّى اصطلاحًا «الوطن – لبنان» فنحن نعيش في «الكِيان – لبنان» الذي لم يرقَ بعد إلى مرتبة «وطن».

لا أنتمي إلى هذا المجتمع المريض، وإلى ناسه الذين ضيّعوا البوصلة، وفقدوا طريق الصواب، فلم يستطيعوا أن يبنوا وطنًا، بل بقوا على شكل جماعات جُمعوا على هذه البقعة من الأرض من دون أن يتركوا للقواسم المشتركة دورًا كي تجمعهم، لا تاريخ ولا مصالح مشتركة، فشلوا في كلّ شيء، واتّفقوا على الخلافات التي لا عدّ ولا حصر لها.

إنّنا نعيش في وهم، أو كذبة اخترعناها، وللأسف صدّقناها ألا وهي «الوطن»، «وطن» ما زال أبناؤه يختلفون على هويّته، ولا يتّفقون على خريطة طريق للحفاظ عليه، والسعي لتقدّمه وتطوّره. فهل من دليل يُثبت أنّني أنتمي إليه؟ للأسف، لا. فكلّ ما ذكرته يوحي بأنّه غير ذلك تمامًا. السائد في هذا المجتمع لا يتوافق مع القِيم والمبادئ التي أحملها.


لم يعُد «الوطن» سوى مجموعة شكليّات: راية تُرفع فوق مؤسّسة حكوميّة، ونشيد رسميّ لا تقشعرّ له أبداننا إذا سمعناه، ولا حتّى يحفظ كلماته معظم شعبه. هذا «الكِيان العجيب –

 لبنان» يعجّ بالفاسدين، إنّهم يسرقون من دون خجل، ويُفقرون، ويَقْتِلون، ويَسْجِنون، ويُشَوِّهون سمعة بعضهم، فقط كي يخدموا سيّدهم «الفساد».

إذًا، هل عرفتم الآن لماذا أجدني لا أنتمي؟

لا أجدني أنتمي لأنّني لا أجيد فنّ النفاق، ولا الكذب، إنّني لا أتحدّث هنا عن نفسي فقط، بل عن حال الكثيرين، من أبناء هذا الجيل الشاب التائه. لقد ثار جزءٌ منه، وجزءٌ فضّل النّوم في العسل، وجزءٌ آخر غادر «الكِيان» وتركه للمحتكرين، أو كان من الجيل السابق الذي فقد أيّ أمل بالتغيير أمام سيطرة مدّعي الانتماء إلى «الوطن» المرتهنين في المبتدأ والمنتهى للمصالح التي تجمعهم.

جواب مؤلم أن أقول: إنّني أنتمي إلى مجتمع ووطن كهذا. فلو انتميتُ إليه افتراضيًّا، فبذلك سأكون مشابهًا لبعضهم. وسينجحون في اختراقي، واستلابي، وتدجيني. سيجعلون منّي رقمًا في سجّلات انتخاباتهم، أو على قائمة أتباعهم، ليسخروا منّي، ويجعلوني تابعًا خاضعًا لأهوائهم!

والأكثر إيلامًا أن يكون الجواب أنّك لا تنتمي إلى الوطن الذي نشأت، وتربّيت فيه، فأنت تشعر بالغربة، وأنت في بلدك وسط مجموعة من الفاسدين المنافقين. فالقيّمون على هذا الكِيان لا يهتمّون سوى  لتثبيت زعاماتهم، ولملء جيوبهم المليئة أصلاً.

أنتمي إليه؟… أو لا أنتمي إليه؟ سؤال في حدّ ذاته يحمل إجابته معه، فلو لم أكن في حاجة إلى الانتماء لما طرحتُ السؤال أصلاً. لا أجدني أنتمي، ولِمَ أنتمي؟ فأنا لا أجدني عارفًا معنًى واضحاً لهُوّيتي فأين أنا الإنسان، وأين هي أدنى حقوقي؟ أحترم إنسانيتي، ولا أقرّ بأنّ في الانتماء من دون فكر، وقِيم وقوّة يكون انتماءً صحيحًا، وإلاّ سأكون واحدًا من مجتمع الذئاب التي تهاجم فرائسها على شكل جماعات.

أجد نفسي راية وحدها. أنا وطنٌ بنفسي، بمبادئي، وقيمي، وأخلاقي، وموروثاتي الدينيّة، والثقافيّة، ولا أظنّ أنّ التّوارث الّذي خَلَقَنا عليه اللهُ مُكَبِّلاً لنا، بل هو نقطة انطلاق في الحياة نستند إليها وننطلق في الحياة على أسس سليمة ثابتة.

لن أسأل مجدّدًا عن انتمائي، فالجواب عن هذا السؤال «أنتمي إليه أو لا أنتمي إليه؟» في كِلا الأمرين مؤلم.

 

* – أستاذ جامعيّ سابق، وأحد رئيسَيْ تحرير مجلّة أوراق ثقافيّة، مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، له العديد من المؤلَّفات.