بالأرقام والنسب… هجرة الأطباء والممرضين مستمرة: هل مستقبل الرعاية الصحية في لبنان مُهدّد؟

بالأرقام والنسب… هجرة الأطباء والممرضين مستمرة: هل مستقبل الرعاية الصحية في لبنان مُهدّد؟

“ليبانون ديبايت” – باسمة عطوي

ليس صحيحاً أن القطاعات المهنية تتعافى في لبنان ببطء، بعد أن تأثرت سلباً بعصف الانهيار المالي والاقتصادي الذي ضرب لبنان في العام 2019، كما يروّج السياسيون اللبنانيون. فالدراسات والمعطيات على الأرض تُظهر أن لبنان يواجه أزمات هيكلية تطال عدة قطاعات حيوية، وأبرزها القطاع الصحي. كيف ذلك؟

في دراسة للباحث محمد زريق نُشرت في مجلة سياسة الشرق الأوسط أواخر 2025، أظهرت أن هناك ربطاً بين تدهور الأوضاع السوسيو-اقتصادية وبين الرغبة المتزايدة لدى الأطباء والممرضين في مغادرة البلاد، حيث يشير البحث إلى أن الانهيار المالي المتسارع لم يعد مجرد تحدٍ معيشي، بل تحول إلى دافع رئيسي للهجرة نتيجة تآكل القدرة الشرائية وغياب الضمانات المالية المستدامة.

وتكشف الورقة البحثية، عبر تحليل استقصائي دقيق، أن غياب شبكات الأمان الاجتماعي والمزايا الوظيفية العادلة يلعب دوراً محورياً في زعزعة استقرار الكوادر الطبية، مما يجعل خيار الرحيل بحثاً عن بيئة عمل أكثر تقديراً وحماية هو الخيار الأكثر منطقية لدى الكثيرين.

ورغم أن الدراسة ترصد تأثراً بالسياسات الصحية غير الفعالة التي ظهرت جلياً خلال إدارة أزمة الجائحة، إلا أنها تضع العامل الاقتصادي في صدارة المحركات التي تعجّل بإفراغ المستشفيات اللبنانية من طاقاتها البشرية المؤهلة.

وتخلص الدراسة إلى أن الحلول التقليدية المعتمدة على إمكانيات الدولة اللبنانية المحدودة لم تعد كافية لمواجهة هذا النزيف البشري، مشددة على ضرورة صياغة استراتيجية متعددة الأبعاد تتضمن تدخلاً دولياً تقنياً ومالياً.

ويؤكد الباحثون في الدراسة أن استعادة مرونة النظام الصحي تتطلب بالضرورة تحسين ظروف العمل وتوفير أجور تنافسية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المهني، معتبرين أن استمرار هذا التوجه دون معالجة جذرية سيؤدي إلى انهيار كامل في جودة الرعاية الصحية المتاحة للمواطنين، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية دعم استدامة هذا القطاع الحيوي.

بلغة الأرقام، هناك تقديرات تقريبية عن أعداد الأطباء والممرضين اللبنانيين الذين هاجروا منذ بداية الأزمة الاقتصادية في نهاية 2019، لكن لا يوجد رقم رسمي دقيق لأن الكثير من الهجرة غير موثّقة. الأرقام التالية مبنية على تقديرات من نقابات ومصادر صحية وإعلامية، إذ تشير أبحاث لبنانية إلى أن لبنان قد فقد نحو 5,000 طبيب عبر الهجرة منذ عام 2019، وأن نسبة كبيرة من الأطباء العاملين قد غادرت إلى أوروبا وأميركا وكندا بعد تراجع الأوضاع. وبعض التقارير تشير أيضاً إلى عودة جزء من الأطباء المهاجرين إلى لبنان بعد تغيّر ظروف العمل، أو تحسينات جزئية في الأجور والعلاقات مع شركات التأمين.

أما أعداد الممرضين المهاجرين فهي أقل دقّة لكنها مرتفعة أيضاً، إذ ذكرت نقابة الممرضين والممرضات أن التقدير يصل إلى حوالي 1,600 ممرض/ممرضة غادروا لبنان منذ 2019، وقد يكون العدد أعلى من 2,000 بحسب التجميعات الجارية لديها. كما ذكرت منظمة الصحة العالمية أن نحو 40% من الأطباء المهرة و30% من الممرضين تركوا لبنان أو أقاموا خارج البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وتعود أسباب هجرة الأطباء والممرضين من لبنان إلى مجموعة عوامل متراكمة، أبرزها الانهيار الاقتصادي الذي أدى إلى تدنّي الرواتب بشكل كبير وفقدانها قيمتها الشرائية، وعدم القدرة على تأمين حياة كريمة رغم سنوات الدراسة والخبرة. كما ساهم تدهور النظام الصحي في تسريع هذا النزيف، مع نقص حاد في المعدات والأدوية، وضغط كبير داخل المستشفيات بموارد محدودة، وإقفال بعض الأقسام أو المستشفيات.

كذلك، لعب غياب الاستقرار السياسي والأمني والخوف من المستقبل المهني والشخصي دوراً أساسياً، إلى جانب ظروف العمل القاسية من ساعات طويلة مقابل أجر ضعيف، وإرهاق نفسي وجسدي شديد، خاصة بعد الأزمات المتلاحقة مثل كورونا، وانفجار المرفأ، والعدوان الإسرائيلي.

في المقابل، تتمثل المحفزات الأساسية للهجرة بوجود فرص أفضل في الخارج، من رواتب أعلى بكثير، وبيئة عمل منظمة، واحترام أكبر للمهنة، وضمانات اجتماعية وصحية. ويُضاف إلى ذلك فقدان الأمل بالإصلاح، والشعور العام بعدم وجود خطة إنقاذ حقيقية للقطاع الصحي، وانعدام الثقة بقدرة الدولة على تحسين الأوضاع.

وعليه، أصبحت الهجرة بالنسبة لكثير من الكوادر الطبية خياراً اضطرارياً وليس رغبة، ما يهدد مستقبل الرعاية الصحية في لبنان.