نبع رشعين : مياه التاريخ، حقوق اليوم،وشمس الدولة للجميع

نبع رشعين : مياه التاريخ، حقوق اليوم،وشمس الدولة للجميع

في ظل التداول الإعلامي الأخير بملف مياه نبع رشعين، يهمّنا التأكيد أنّ هذا الموضوع الوطني الحيوي يجب مقاربته بمنطق المسؤولية والوقائع التاريخية الموثّقة، بعيدًا عن الشعبوية والمزايدات السياسية.


إنّ نبع رشعين مورد طبيعي تاريخي ارتبط بهذه الأرض منذ قرون، ويكفي التذكير بأن اسم رشعين مشتق من السريانية “رأس العين”، ما يؤكد أنّ البلدة قامت حول هذا المنبع قبل أي مشاريع حديثة أو تقسيمات إدارية. وقد عُرف النبع واستُثمر منذ العصور الوسطى، حيث شُقّت قنوات بدائية في زمن الصليبيين لنقل المياه وفق منطق الحاجة والتقنيات المتاحة آنذاك، لا كملكية حصرية ولا كأداة نزاع، بل كمورد مشترك لخدمة المنطقة.


وفي مطلع القرن العشرين، وخلال فترة الانتداب الفرنسي، جرى تنظيم هذا المورد ضمن مشروع هندسي متكامل لتأمين مياه الشفة للتجمعات السكانية في الشمال. وقد وضع التصوّر الفني للمشروع المهندس رشدي سلهب، فيما جاء التمويل عبر ميزانيات البنى التحتية العامة التابعة للسلطات القائمة آنذاك، وليس عبر اكتتابات شعبية كما يُشاع من دون أي مستندات موثوقة.


وفي عام 1935 تم حصر مياه النبع في خزانات إسمنتية وتوجيهها عبر قساطل إلى طرابلس وزغرتا ضمن خطة تقنية واضحة هدفت إلى تأمين مياه شفة منتظمة ونظيفة، لا كمنّة ولا كهبة، بل كخدمة عامة منظمة تخضع للأطر الإدارية المعتمدة.


اليوم، إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في التاريخ ولا في أصل الحق، بل في تهالك الشبكات، التعديات على خطوط الجر، وغياب الاستثمار الرشيد لعقود طويلة، وهي عوامل أدت إلى تراجع الكميات المتاحة.


وفي هذا الإطار، نثمّن عاليًا الخطوة الإيجابية التي قامت بها بلدية رشعين وبرعاية منظمة اليونيسيف عبر توقيع وثيقة تعاون وتفاهم مع مصلحة مياه لبنان الشمالي، في إطار شراكة مؤسساتية تهدف إلى تنظيم قطاع المياه إداريًا وتقنيًا، ضبط التعديات، تحسين العدالة في التوزيع، وتعزيز الصيانة والمراقبة ضمن رؤية تنموية مستدامة.


إنّ اليونيسيف مشكورة على دورها الفاعل في ردم الهوّة بين المؤسسات، وإرساء نموذج جديد للتعاون والتفاهم يُحتذى به في إدارة الموارد والخدمات العامة بعيدًا عن الانقسام والمزاجية.


كما نذكّر بأن مجلس الإنماء والإعمار أنجز دراسات متخصصة خلال عامي 2005 – 2006 تناولت حلولًا عملية لتجديد شبكة مياه الشفة من نبع رشعين وصولًا إلى طرابلس. وعليه، ندعو جميع الجهات المعنية إلى مراجعة هذه الدراسات وتشكيل لجنة مشتركة لمتابعة هذا الملف الحيوي، علمًا أنّ مصلحة مياه لبنان الشمالي أبدت كامل استعدادها للتعاون لإيجاد التمويل اللازم لهذا المشروع العالي الكلفة.


إنّ العقبة الأساسية اليوم تتمثل في غياب التمويل، وعند تأمين ممول مناسب تصبح الأمور ميسّرة للجميع، ويغدو تنفيذ المشروع ممكنًا بشكل فعلي يضمن استمرارية المياه بعدالة واستدامة لكل المواطنين.


لقد آن الأوان لنفض غبار الماضي عن الفكر التقليدي، والتوجّه نحو دولة قوية تكون مؤسساتها شمسًا تشرق على الجميع بلا تمييز، وهذا ما يستوجب تكاتف الجهود من أجل إدارة عادلة ومسؤولة للموارد الوطنية.


إنّ ملف المياه ليس ساحة للمزايدات ولا مادة للاستعراض السياسي والطائفي ،بل قضية حياة تمسّ صحة الناس وكرامتهم. ومن هذا المنطلق، ندعو إلى الترفّع عن الخطاب التحريضي والكتابة الصفراء التي لا تبني مجتمعًا ولا تؤسس وطنًا، بل تزرع الانقسام وتبدّد الثقة بين أبناء الوطن الواحد.


الكلمة أمانة، وما نكتبه اليوم قد يتحوّل غدًا إلى شرارة فتنة أو جسر تلاقي. فلنبتعد عن الاتهامات العشوائية والإشاعات المغرضة التي لا تخدم أحدًا سوى أصحاب الأجندات الضيقة.


مياه رشعين حق حياة لكل أهلنا، ومسؤوليتنا جميعًا حمايتها بالعقلانية، التعاون والحكمة، لأن الأوطان تُبنى بالكلمة الصادقة والإرادة النظيفة، والعمل المشترك لما فيه خير الجميع.