استشهاد كاهن رعية القليعة يفتح صفحة جديدة على مصير أبناء الشريط الحدودي...باقون حتى الموت!

استشهاد كاهن رعية القليعة يفتح صفحة جديدة على مصير أبناء الشريط الحدودي...باقون حتى الموت!

جوانا فرحات


المركزية – وحصل ما كان في الحسبان . حصل لأن ثمة خلية إرهابية لحزب الله أو المنظمة الخارجة عن القانون كما وصفها مجلس الوزراء واكتفى بالتوصيف من دون أن ينفذ ما صدر عنه، تسللت إلى بلدة القليعة فرصدها الجيش الإسرائيلي وأغار على منزل حيث كانت تتواجد الخلية في محيطه مما أدى إلى إصابة صاحب المنزل الذي كان يقبع فيه بسبب خضوعه لعملية جراحية وزوجته. وعندما وصل كاهن رعية بلدة القليعة المسيحية الأب بيار الراعي مع شخصين تعرض المنزل إلى القصف بقذيفة من دبابة ميركافا مما أدى إلى وفاته متأثراً بإصابته. وأصيب كل من الياس بولس وبول فارس وليليان السيد.


حصل ما كان في الحسبان، لأن الدولة ومؤسساتها الأمنية لم تلبِ نداءات الاستغاثة التي أطلقها أهالي القليعة والقوزح ودبل وعين ابل ورميش بعودة الجيش والقوى الأمنية إلى قراهم بعدما انسحبوا منها منذ أيام لحمايتهم من تسلل العناصر الإرهابية. وكما في كل مرة أودعتهم الدولة لمصيرهم المجهول وها هم يدفعون ثمن إصرارهم على البقاء والصمود في أرضهم.


قبل أيام وقف الأب الراعي في باحة كنيسة شفيع البلدة مار جرجس يحيط به أهالي القليعة وصرخ "باقيين باقيين باقيين للموت". ووصل صوته إلى فوق إلى حيث شفيعه واستشهد. وما هي إلا لحظات حتى ارتفعت صرخات أبناء القليعة "باقيين حتى نحمي بيوتنا وأرضنا وما راح نخضع لنوايا الحزب الإرهابي تهجيرنا. باقيين حتى الموت وفاء لدماء أبونا بيار الراعي".


قبل 24 ساعة من استشهاد الأب الراعي اهتزت بلدة علما الشعب على خبر استهداف الجيش الإسرائيلي موقعا كان يعمل فيه أحد ابناء البلدة ويدعى سامي يوسف غفري بسبب رصد تحرك لعناصر من خلية الحزب . ولم يكن يعلم أن دماءه ستروي الأرض التي رفض أن يتركها فاستشهد على مرأى من أنظار زوجته وأولاده.


مصادر من داخل الشريط الحدودي توضح لـ"المركزية" أن ما حصل في بلدة القليعة هو نتيجة انسحاب الجيش اللبناني من القرى المسيحية على رغم النداءات التي أطلقها الأهالي ومناشدتهم بإعادة تمركزهم لمنع تسلل عناصر من حزب الله، مرجحاً أسباب الإنسحاب إلى احتمال وجود قرار مركزي بعدم مواجهة عناصر الحزب الخارج عن القانون.


تضيف المصادر أن شرط بقاء أهالي قرى الشريط الحدودي المسيحية كان عدم السماح بتسلل عناصر تابعة لحزب الله، لكن محاولات التسلل تكررت وما حصل في الأمس في بلدة القوزح حيث تم تدمير منزل كان يتواجد فيه عناصر للحزب واستشهاد سامي غفري في علما الشعب والأب الراعي اليوم في القليعة، كل هذا يؤشر إلى أن الحزب يستكمل مخططه التخريبي والإرهابي على حساب الأهالي ضاربا عرض الحائط كل مقررات الدولة لأن الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية والعسكرية لا تزال تخضع لأوامر المرشد الأعلى.


وتلفت المصادر إلى أن كلام رئيس الجمهورية اليوم عن طلبه من الدول العودة إلى المفاوضات والإشادة بمواقف وحكمة قائد الجيش وقرارات المحكمة العسكرية بإطلاق سراح عناصر تم توقيفهم بتهمة حيازة أسلحة مقابل غرامة بقيمة 20 دولارا لكل عنصر والتمديد لمجلس النواب لمدة سنتين على رغم إجماع الكتل المسيحية وللمرة الأولى على موقف معارض موحد إلا أن القرار صدر، مما يؤكد أن الممانعة لا تزال تتحكم بمصير البلد. لوين رايح البلد؟ نحو مجهول أسود".


 وتعود المصادر التي عايشت عن قرب الأب الراعي وتقول" اعتدنا في تلك القرية المسيحية الجنوبية أن نستيقظ على أصوات الأجراس قبل ضجيج الأخبار. اليوم سقط الأب بيار الراعي شهيداً وهو بين ناسه، بين البيوت التي كان يباركها، وبين الوجوه التي كان يعرف أسماءها واحداً واحدا. لم يكن يحمل سوى صلاته وصوته الهادئ، لكن الموت جاء هذه المرة سريعاً، قاسياً، عبر صاروخ أطلق من بين المنازل بعد تسلل مسلحين إلى أطراف البلدة، فحوّل لحظة حياة إلى لحظة فاجعة".


وحتى لا يسقط شهيد جديد من أبناء قرى الشريط الحدودي المسيحية، تكشف المصادر عن نية بتوجيه نداء إلى رؤساء البلديات في هذه القرى والبلدات للطلب من عناصر اليونيفيل الموجودة خارج مراكزها وفي مقدمها القوات الفرنسية بتأمين حماية حدودها لمنع تسلل عناصر مسلحة من الحزب وهذا ممكن ولا يتعارض مع القانون كون هذه البلديات منتخبة من الشعب". هل يتحقق ذلك؟


الثالثة تماماً، قرعت أجراس الكنائس في القليعة التي عمت شوارعها وجوه تشرقط غضبا وكذلك الحال في رميش ودبل وعين ابل ورفعت الصلوات عن راحة أنفس الأب الراعي وسامي غفري.


وعلى صدى كلمات أحد أبناء القليعة تختم المصادر" استشهاد كاهن الرعية ليس مجرد خسارة رجل دين، بل خسارة قلبٍ كان يخفق مع البلدة كل يوم. هو الذي كان شاهداً على أفراحها الصغيرة، على معمودية أطفالها، ودموع أمهاتها. لكن القليعة، كما عرفها أبناؤها عبر السنوات، لم ولن تستسلم سريعاً للحزن. ففي الأزقة التي لفّها الدخان، وفي البيوت التي أغلقت نوافذها خوفاً، بقيت شموع مضاءة وصلوات تُرفع.


الحزن عميق، نعم. لكن ثمة عصب صمود قديم، عنيد، يشبه جذور الزيتون التي تضرب عميقاً في أرض الجنوب. وقرى وبلدات الشريط الحدودي التي دفعت أثماناً باهظة على مدى عقود من الحروب تعرف جيداً كيف تبكي شهداءها،ثم تقف من جديد.