بعيدًا عن المظلة الأمريكية.. 4 دول تتولي مسؤولية الدفاع الجديدة في أوروبا

ليزا يوهانسن / رويترز
في مواجهة روسيا المتزايدة النفوذ، وتزايد حالة عدم اليقين بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية في عهد دونالد ترامب، تشهد أوروبا تحولاً جذرياً في نهجها الدفاعي.
وفقا لتقرير فورين أفيرز، لعقود، اعتمد الاتحاد الأوروبي على واشنطن كضامنه الأمني النهائي. لكن هذا الافتراض بات الآن موضع تساؤل، مما يستدعي بذل جهود عاجلة لبناء قدرات عسكرية مستقلة.
مع ذلك، وفقاً للمحللين إيثان ب. كابستين وجوناثان كافيرلي، فإن مستقبل الأمن الأوروبي لن يتشكل بشكل أساسي من قبل بروكسل، بل من قبل أربع دول رئيسية: ألمانيا، وبولندا، وفرنسا، والمملكة المتحدة.
تهديدات متزايدة ووقت محدود
تتجلى ضرورة التحول الدفاعي الأوروبي في تحذيرات مارك روته، الذي حذر من أن روسيا قد تكون مستعدة لاستخدام القوة العسكرية ضد حلف الناتو في غضون خمس سنوات.
أدت التطورات الأخيرة، بما في ذلك اختراقات المجال الجوي فوق إستونيا، والهجمات الإلكترونية على البنية التحتية البولندية، واختراقات الطائرات المسيّرة، إلى تعزيز المخاوف بشأن حملة “المنطقة الرمادية” المستمرة ضد أوروبا.
في الوقت نفسه، أفادت التقارير أن مسؤولين أمريكيين أبلغوا الحلفاء الأوروبيين بالاستعداد لتحمّل المسؤولية الرئيسية عن دفاعهم بحلول عام 2027، مما يضغط الجدول الزمني للتحرك.
لماذا لا يرقى التكامل الدفاعي للاتحاد الأوروبي إلى المستوى المطلوب؟
على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي قد استحدث آليات تمويل جديدة ومبادرات دفاعية، إلا أن التقدم لا يزال محدودًا.
تشمل الجهود الحالية ما يلي:
- برامج تمويل المشتريات المشتركة
- استراتيجيات الصناعات الدفاعية
- إنفاق سنوي يبلغ حوالي 4.6 مليار دولار على مشاريع منسقة
مع ذلك، لا يمثل هذا سوى جزء صغير من إجمالي الإنفاق الدفاعي في الدول الأعضاء. ولا تزال التعقيدات البيروقراطية واختلاف الأولويات الوطنية تعيق التكامل الأعمق.
حتى البرامج التعاونية الرائدة، مثل نظام القتال الجوي المستقبلي، واجهت صعوبات، مما يعكس التوترات بين المصالح الوطنية والأهداف الاستراتيجية المشتركة.
ألمانيا وبولندا تقودان الدفاع التقليدي
تُشكّل ألمانيا وبولندا ركيزة أساسية في منظومة الدفاع الأوروبية الناشئة، حيث تعملان على تطوير قدراتهما العسكرية بوتيرة متسارعة.
قامت ألمانيا بما يلي:
- مضاعفة إنفاقها الدفاعي
- التزامها باستثمار ما يقارب 750 مليار دولار أمريكي في المجال العسكري على مدى أربع سنوات
- ترسيخ مكانتها كمركز رئيسي للصناعات الدفاعية في أوروبا
في الوقت نفسه، اضطلعت بولندا بدور الردع في الخطوط الأمامية:
- تخصيص حوالي 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع
- استثمارها بكثافة في المدفعية والدبابات والدفاع الجوي
- استيراد الأسلحة من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة
من المتوقع أن تُشكّل هاتان الدولتان معًا الجزء الأكبر من القوة العسكرية التقليدية لأوروبا في حال نشوب نزاع.
فرنسا والمملكة المتحدة تُوفّران عمقًا استراتيجيًا
بينما تُؤسّس ألمانيا وبولندا الدفاع البري والجوي، تُساهم فرنسا والمملكة المتحدة بقدرات استراتيجية بالغة الأهمية.
تقدم فرنسا:
- القوة النووية الرادعة المستقلة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي
- قوات استطلاعية قادرة على الانتشار السريع
- قوة بحرية وجوية متطورة
تكمل المملكة المتحدة ذلك بما يلي:
- ترسانة نووية مُصانة
- قوات مشتركة جاهزة للنشر
- قاعدة صناعية دفاعية متينة
على الرغم من القيود المالية والتعقيدات السياسية، يُتوقع أن يلعب البلدان أدوارًا داعمة حاسمة في أي صراع أوروبي كبير.
المصالح الوطنية فوق الاستراتيجية الجماعية
يعكس النموذج الناشئ للدفاع الأوروبي تحولًا عمليًا نحو صنع القرار على المستوى الوطني بدلًا من التنسيق المركزي. تعمل كل دولة من الدول الأربع الرئيسية في المقام الأول وفقًا لمصالحها الخاصة، ومع ذلك، يُتوقع أن تُسهم جهودها المشتركة في خلق قوة ردع فعّالة.
قد يُحد هذا النهج من التكامل الأوروبي الأعمق، ولكنه يوفر استجابة أسرع وأكثر مرونة للتهديدات المباشرة.
ميزان قوى جديد في أوروبا
بحلول نهاية العقد، قد يُعاد تشكيل المشهد الدفاعي الأوروبي بشكل جذري. من المتوقع أن تُنفق ألمانيا وحدها سنويًا على الدفاع ما يُقارب ما أنفقته روسيا في زمن الحرب، بينما تُواصل بولندا تعزيز جناحها الشرقي.
تشكل هذه الدول، إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة، “قوة دفاعية” بحكم الأمر الواقع، قادرة على ردع أي عدوان وتحقيق الاستقرار في القارة.
يمثل هذا التحول نقطة تحول تاريخية. فمع تراجع وضوح دور الولايات المتحدة، بدأت أوروبا تتحمل مسؤولية أمنها، معتمدةً ليس على المؤسسات الجماعية، بل على قوة دولها وتنسيقها الاستراتيجي.