مليارات بلدية ضهر الصوان المفقودة"

تقرير أمل خليل
الملف في أدراج «عطية»… وأسئلة عن تغطية سياسية تُطوّقه
لم يصل ملف الشكاوى المقدّمة ضد بلدية ضهر الصوان (قضاء المتن، محافظة جبل لبنان)، ممثّلة برئيسها السابق جوزيف غبريل، إلى خواتيمه بعد، رغم مرور سنوات على سلسلة اتهامات وتحقيقات تتعلّق بشبهات اختلاس وهدر للمال العام وفوضى إدارية أدّت، بحسب مقدّمي الشكاوى، إلى فجوات مالية كبيرة في خزينة البلدية.
الشكوى قدّمها كلّ من بولس مخايل القزّي (نائب رئيس البلدية سابقاً) ونصري نعوم ميلان (عضو المجلس البلدي سابقاً)، وهي لا تزال قيد المتابعة لدى التفتيش المركزي، الجهة المخوّلة رقابة البلديات. غير أن مسار الملف يطرح تساؤلات جدّية حول بطء الإجراءات وغياب الشفافية في نشر نتائج التحقيقات.
طلب معلومات بلا جواب
بحسب الوثائق، لم يستجب التفتيش المركزي لطلب رسمي تقدّم به كل من القزّي وميلان بتاريخ 16/12/2025، للحصول على نسخة من نتائج التحقيق، استناداً إلى قانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017.
هذا المعطى يثير سؤالاً جوهرياً: هل أُنجز التحقيق بالفعل؟ وإذا كان كذلك، فلماذا لم تُنشر نتائجه أو تُسلَّم لأصحاب العلاقة؟
تفتيش مركزي تحت الاختبار
وفق مسار الشكاوى، لا تخضع بلدية ضهر الصوان لرقابة مباشرة من ديوان المحاسبة، ما أدّى إلى إحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية.
وبحسب خبير قانوني، فإن هذه الإحالة تعني أن الملف اتخذ منحىً جزائياً، بما قد يفتح الباب أمام تحقيقات موسّعة، واستدعاءات، وجمع إفادات، وربما ملاحقات قضائية في حال ثبوت المسؤوليات.
وبذلك، تكون القضية قد تجاوزت إطار الخلاف البلدي الداخلي، ودخلت رسمياً المسار القضائي، استناداً إلى كتاب صادر عن النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة يوثّق مخالفات مالية وإدارية داخل البلدية.
هذا الواقع يضع التفتيش المركزي أمام اختبار فعلي في دوره الرقابي. وبينما ينتظر أهالي ضهر الصوان نتائج التحقيق، تبقى أسئلة أساسية بلا إجابات: كيف تبخّرت مبالغ ضخمة في بلدية يُفترض أن تؤمّن الخدمات العامة لسكانها؟ ومن يتحمّل مسؤولية الهدر في صندوقها؟ وهل تُدار البلدية بمنطق مؤسسي أم ضمن مقاربة شخصية؟
شبهات متعددة ومخالفات موثّقة
تشير الشكاوى وتقارير خبراء محلّفين إلى وجود شبهات فساد واختلاس، مع الحديث عن فجوات مالية بمبالغ كبيرة تخطت آلاف الدولارات. كما سُجّل، وفق المعطيات، أكثر من 25 شكوى بحق رئيس البلدية السابق، جوزيف غبريل، خلال السنوات الماضية. رغم ذلك يتمّ الحديث عن تجميد الملفات في أدراج رئيس التفتيش المركزي، القاضي جورج عطية، ما يعيق محاسبة المسؤولين والمرتكبين.
وتعرض المستندات المقدّمة من القزّي وميلان سلسلة مخالفات ممنهجة يُشتبه بأنها تمسّ المال العام وتخالف القوانين اللبنانية النافذة، أبرزها:
تزوير وتضخيم الحسابات: اتهامات بتزوير وقائع جلسة قطع حساب 2021، وتضخيم موازنة 2023 في بعض البنود حتى 53 ضعفاً (من 120 مليون ل.ل إلى أكثر من 6 مليارات ل.ل) من دون أي مبرّر قانوني واضح أو ارتباط بتضخم الأسعار.
إنفاق خارج الاعتمادات: صرف نفقات تتجاوز الاعتمادات المرصودة بنسبة تصل إلى 67%، خصوصاً في بابَي المكافآت والتعويضات.
ملف المحروقات: شراء مازوت بقيمة 45 مليار ل.ل خلال تسعة أشهر فقط من عام 2024 من دون إجراء مناقصات، إضافة إلى دفع فواتير «رجعية» مشكوك فيها بقيمة 4 مليارات ل.ل لصالح صهر الخبير المالي للبلدية.
رفع الرسوم البلدية: زيادات وُصفت بأنها اعتباطية منذ عام 2022، من دون التقيد بالسقوف القانونية والنسب المحددة في موازنة الدولة.
التوظيف والتعاقد: استمرار التعاقد غير الشرعي مع أجراء ومستشارين منذ عام 2016، رغم قرار الدولة بمنع جميع أنواع التعاقد.
الإنفاق على خدمات خارجية: دفع مبالغ لمحامٍ ومهندس خاصين، رغم وجود أجهزة فنية مجانية ضمن اتحاد البلديات وهيئة للاستشارات التابعة لوزارة الداخلية.
مبالغ تأمين غير مستحقة: صرف نحو 259 مليون ل.ل لأشخاص لا يحق لهم الاستفادة منها.
دور القائمقام: لقد وجّه اتهام إلى قائمقام المتن، مارلين الحداد، بالمصادقة على حسابات وموازنات مشكوك فيها رغم اعتراضات موثّقة تثبت عمليات التزوير. وهذا ما اعتبره المستدعون تغطيةً غير مباشرة لهدر المال العام، إضافةً إلى تخلّف القائمقام عن ممارسة دورها الرقابي، رغم تزويدها بكتبٍ رسمية تشرح المخالفات الجسيمة في الحساب القطعي لعام 2022.
تراجع الخدمات: رغم الإنفاق الكبير، سجّل عجز في مشروع المولدات، وإقفال المستوصف البلدي، وتراجع خدمات النظافة والإنارة والحراسة وكافة المشاريع الإنمائية بشكل كامل.
هذا وقد أكّد كتاب صادر عن المدعي العام لدى ديوان المحاسبة، القاضي فوزي خميس، وجود مخالفات مالية وإدارية وجزائية داخل البلدية.
التفاف على قانون الشراء العام
يوضح مصدر قانوني في حديث خاص أن الشكوى تتضمّن معطيات تفيد بأن الفواتير صادرة عن مصدر واحد، لكنها مجزّأة إلى فواتير صغيرة في اليوم نفسه، ما قد يشير إلى محاولة تفادي سقف المناقصات العامة. وفي حال ثبوت ذلك، قد يُعدّ الأمر تجزئة للصفقات والتفافاً على قانون الشراء العام.
كما تتحدّث الشكوى أيضاً عن هبات مالية وعينية غير مسجّلة أصولاً، وغياب قرارات رسمية بقبولها من المجلس البلدي. هذا إضافة إلى أن إيرادات المستوصف لم تدخل صندوق البلدية، كما تمّ صرف نفقات بقرارات رئاسية منفردة دون علم المجلس البلدي. وهي مؤشرات تدلّ، في حال ثبوتها، على وجود نظام مالي موازٍ خارج الرقابة.
اقتصادياً، تعكس المعطيات تضخّماً في كلفة التشغيل، إذ أنفقت بلدية ضهر الصوان على مجموعة واسعة من البنود (خبراء، مهندسون، محامون، أجراء، تأمين، محروقات)، ما جعلها أشبه بقطاع عام مصغّر مثقل بالكلفة الثابتة.
مقابل ذلك، سُجّل عجز في مشاريع كان يُفترض أن تكون مدرّة للدخل، وعلى رأسها مشروع المولدات.
عطية: التحقيقات في الملف لا تزال مستمرة!
ردّاً على كل ما تقدّم، أوضح رئيس التفتيش المركزي، في حديث خاص، سبب عدم إطلاع كلٍّ من المدّعيَين القزّي وميلان على نتائج التحقيقات، بالقول: «إنّ التفتيش المركزي لا يمكنه إعطاء نتائج التحقيقات الجارية ما دامت لم تنتهِ بعد، إذ يقتصر دورنا على تزويد المعنيين بإفادة تفيد بأن الملف قيد التحقيق أو قيد الإنجاز»، مشدّداً على أنّ هناك التزاماً مهنياً وأخلاقياً مرتبطاً بطبيعة عمل جهاز التفتيش (قسم اليمين من قبل المفتشين)، ما يمنع تزويد أي جهة بملف التحقيق أو نتائجه قبل استكماله وصدور القرار النهائي. «التفتيش المركزي ليس جهة تنفيذية أو إعلامية، وبالتالي لا يحق لنا تقديم معلومات تفصيلية خلال سير التحقيقات، بل الاكتفاء بإفادة عامة حول وضع الملف».
ويشرح عطية أنّ التحقيق يمرّ بعدة مراحل، تبدأ عند المفتش المختص، ثم يُعرض على المفتش العام، وبعدها يُحال إلى الأمانة العامة، ومن ثم إلى رئيس التفتيش، الذي يضع مطالعته قبل رفع الملف إلى الهيئة لاتخاذ القرار النهائي. أمّا في ما يتعلق بملف بلدية ضهر الصوان تحديداً، فإنّ نتائج التحقيقات لم تصل إلى أمانة السر بعد، وعند وصولها، يمكن لرئيس التفتيش أن يقدّم مطالعته حول الملف، ثم يُحال إلى هيئة التفتيش لإصدار القرار، مشدّداً على أنّ «الملفات، في الأوضاع العادية، تحتاج إلى أشهر للبتّ فيها، في حين أنّنا حالياً في ظل أوضاع غير عادية، لجهة حجم البلديات التي يقع على عاتقنا النظر في ملفاتها، والتي تقارب 1055 بلدية، في مقابل عدد لا يتجاوز عشرة مفتشين ماليين مكلّفين بمتابعة هذه الملفات».
ويختم: «على سبيل المثال، هناك مئات الملفات التي تتعلق بمبالغ ضخمة، وهذا العدد الكبير من الملفات، على مستوى البلديات والإدارات، يسبّب بطئاً إضافياً في المعالجة. ورغم ذلك، تبقى الملفات قيد العمل ولا يتم إيقافها، غير أنّ ضغط العمل الكبير يؤدي إلى تأخير في البتّ بها».
أين أصبح الملف فعلياً؟
تفيد معلوماتنا الخاصة بأن المفتش العام المالي أنهى تقريره وأحاله إلى رئيس التفتيش المركزي، جورج عطية، الذي يُفترض به وضع مطالعته تمهيداً لإحالته إلى أمانة سر الهيئة، قبل عرضه على الهيئة لاتخاذ القرار النهائي.
غير أن مصادر قانونية تشير إلى أنه، في حال تبيّن وجود مخالفات مالية، كان من المفترض—بحسب الأصول—إحالة الملف إلى النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة لإبداء مطالعتها قبل عرضه على الهيئة. وهنا يبرز التباس أساسي: فهل اتُّبعت هذه الآلية فعلاً؟
ويزيد من هذا الالتباس أن رئيس التفتيش المركزي، في تصريحه، لم يؤكد صراحةً ما إذا كان الملف قد أنهى مرحلته لدى التفتيش المالي وأُحيل إليه، بل اكتفى بعرض عام لمسار التحقيق من دون تحديد المرحلة التي بلغها ملف بلدية ضهر الصوان تحديداً.
أولوية مفقودة
هذا وتشير مصادر متابعة إلى أن ملفات من هذا النوع—بما تنطوي عليه من شبهات تمسّ المال العام—يفترض أن تُمنح طابع العجلة والأولوية في المعالجة والعرض على الهيئة.
وبحسب النظام الداخلي، يتولى رئيس التفتيش وضع جدول أعمال الهيئة، ما يعني أنه يمتلك سلطة إعطاء أي ملف صفة العجلة. وبناءً على المعلومات المتوافرة حول إحالة تقرير المفتش المالي إلى الرئاسة، يطرح سؤال مباشر نفسه: أين أصبح الملف؟ ولماذا هذا التباين في المعطيات حول مساره داخل التفتيش؟
هل هناك أبعاد سياسية؟
في موازاة المسار الإداري، تشير معلومات إلى أن من يقف وراء هذا الملف احد نواب المتن الذي تربطه علاقة مميزة مع رئيس التفتيش المركزي والذي يعتبر نفسه الأب الروحي لبلدية ضهر الصوان حيث خاض معركة طاحنة للفوز بالانتخابات البلدية. فهل سينتصر الحق ولو لمرة داخل التفتيش المركزي أم ستبقى المحسوبيات السياسية هي سيدة الموقف؟ وهل ستقود هذه المسارات إلى محاسبة فعلية… أم إلى إطالة أمد الانتظار؟