يوم عرفة كيف تغتنم أعظم أيام الدنيا وتنال المغفرة

يوم عرفة كيف تغتنم أعظم أيام الدنيا وتنال المغفرة

ما سر عظمة يوم عرفة ولماذا يُعد أفضل أيام السنة؟ وهل صيامه يكفر الذنوب فعلًا؟ وما أفضل الأعمال والدعاء الذي يفتح لك أبواب المغفرة؟

في هذا المقال ستعرف كيف تغتنم يوم عرفة بأفضل الأعمال والطاعات لتنال الأجر العظيم وتفوز برحمة الله.

 فضل يوم عرفة وخصائصه

مع إشراق شمس التاسع من ذي الحجة، تسبق القلوبُ الأبدانَ تدفقًا نحو صعيد عرفات الطاهر في مشهدٍ يجسد وحدة الأمة وافتقارها لبارئها، إنَّ هذا اليوم ليس عارضًا في التقويم، بل هو مِيقاتٌ إلهي شرفه الله بخصائص تهزُّ وجدان المؤمن شوقًا لرحمة ربه، ومن فريد خصائصه:


  • إكمال الدين وإتمام النعمة:

 في هذا اليوم نزل أعظم إعلان في تاريخ البشرية: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣]، وقد أدرك اليهود عظمة هذه الآية، فقالوا لسيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: لو نزلت فينا لاتخذناها عيدًا، فقال عمر: "إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه: نزلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم بعرفة يوم الجمعة" [البخاري، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ص ١٦].

إن كمال الدين حصل لاستكمال أركان الإسلام، ولأن الله أعاد الحج على قواعد خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام - ونفي الشرك وأهله.

 أما إتمام النعمة، فهو بالمغفرة، فلا تتم نعمة على عبدٍ دون أن يُغفر ذنبه كما قال تعالى: ﴿لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَیُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكَ﴾ [الفتح: ٢].


  • يوم المباهاة والعتق:

 إذ يباهي الله -سبحانه وتعالى- بأهل عرفات أهل السماء، قائلًا لملائكته: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا» [ابن خزيمة: الصحيح، (٢٨٣٩)].

 وهو أكثر يوم يعتق الله فيه عبادًا من النار لما ورد عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - عن حضرة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبِيدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ اشْهَدُوا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» [مسلم، الصحيح، (١٣٤٨)].


  • يوم الميثاق الأول:

 هو اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق من ظهر آدم بنعمان (عرفة) وأخرج ذريته كأمثال الذر وأشهدهم: «إنَّ اللَّهَ تعالى أخذَ الميثاقَ من ظَهرِ آدمَ عليهِ السَّلامُ بنعمانَ يومَ عرفةَ فأخرجَ من صلبِه كلَّ ذرِّيَّةٍ ذرأَها فنثرَها بينَ يديه ثمَّ كلَّمَهم قُبُلًا قال تعالى: ﴿أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ شَهِدۡنَاۤ﴾» [الأعراف: ١٧٢] [أحمد، المسند، ج ٤، ص ١٧٢] فهو يوم العودة إلى الفطرة وتجديد العهد مع الخالق.


  • قسم الله بيوم عرفة:

يتجلى جلال يوم عرفة في كونه مقسومًا به في كتاب الله؛ قال تعالى: ﴿وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ﴾ [الفجر: ٣]، فهو الشفع في قول وقيل هو الوتر، كما أنه الشاهد أو المشهود في قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدࣲ وَمَشۡهُودࣲ﴾ [البروج: ٣]؛ ففي المسند: «الشَّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ»، وفي رواية: «الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ» [الترمذي: السنن، (٣٣٣٩)]، فإذا وافق عرفة يوم جمعة، فقد اجتمع للمؤمن فضل الشاهد والمشهود في مشهد إيماني واحد، يضاعف الرجاء في نيل المغفرة والرضوان [ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف، ص٢٨٠].


 لماذا يوم عرفة هو أفضل الأيام؟

لقد دارت بين أساطين العلم مناظرات شريفة في تحديد أفضل الأيام مطلقًا، فذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة وهو الأصح عند الشافعية إلى أن يوم عرفة هو أفضل أيام السنة على الإطلاق [النووي، شرح النووي على مسلم، دار إحياء التراث العربي، ج ٩، ص ١١٧]، وفي هذا المقام، نستعرض وجوه الاستدلال والجمع بين النصوص:


  • دلالة النص والقياس:

يرى الإمام النووي والبغوي أن يوم عرفة أفضل الأيام لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل صيامه كفارة سنتين، ولم يرد مثل ذلك في يوم غيره [النووي، المصدر السابق].


  • الجمع بين عرفة والجمعة:

يذهب المحققون كزين الدين العراقي والسيوطي إلى أن الأصح هو تفضيل عرفة [العراقي، طرح التثريب، ج ٣، ص ٢١٧؛ السيوطي، حاشية السيوطي على النسائي، ج ٣، ص ٩٠]، ووفقًا للزيلعي والطيبي، فإن التوفيق بين الأحاديث يقتضي أن يوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع، بينما يوم عرفة هو أفضل أيام العام [الزيلعي، تبيين الحقائق، ج ٢، ص ٢٥؛ الطيبي، شرح المشكاة، ج ٤، ص ١٢٦٣].


  • توجيه نصوص الأفضلية لغيره:

أجاب العلماء كالتوربشتي والمباركفوري على من فضل يوم النحر أو الجمعة بأن صيغة التفضيل قد تراد بها البعضية، أي أن يوم الجمعة هو من أفضل الأيام وليس أفضلها مطلقًا، فزيادة من تدل على الاندراج لا الانفراد [المباركفوري، مرعاة المفاتيح، ج ٤، ص ٤٣٢].

وعليه؛ فمن قال لزوجته أنت طالق في أفضل الأيام، فإنها تطلق يوم عرفة على الأصح عند الجمهور [جلال السيوطي: نور اللمعة في خصائص الجمعة، ص ٦٣]، وكذلك من نذر صيام أفضل الأيام، تعين عليه يوم عرفة؛ لأنه أفضل أيام العام [بدر العيني: عمدة القاري، ٦/ ٢٩١].

 وظائف يوم عرفة بين الحاج والمقيم

إن يوم عرفة يمثل وحدة شعورية تجمع الأمة؛ فبينما تحط القلوب رحالها في ساحة عرفات، تتعلق قلوب المقيمين بربها في المساجد والبيوت، وينتظم الجميع في سلك طاعة واحدة تتنوع مسالكها وتتفق غاياتها.


  • ما يجتمع فيه الحاج والمقيم:

١- حفظ الجوارح:

إنَّ كمال الوقوف أو الطاعة ليس بحضور البدن فحسب، بل بصيانة الجوارح؛ لذا وجب التحذير من اللغو والنظر المحرم؛ فإنَّ المعصية في موطن الطاعة تخدش نقاء العبادة، وقد لخص النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأدب بقوله للفضل بن عباس رضي الله عنهما يوم عرفة: «يَا ابْنَ أَخِي! إِنَّ هَذَا يَوْمٌ؛ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ» [أحمد: المسند، (٣٠٤١)]، فمن حبس جوارحه عن الفضول والحرام، هيأ نفسه لفيوضات الرحمة.

٢- الذكر والتهليل:

 إنَّ يوم عرفة هو يوم التوحيد الخالص؛ لذا كان من أوجب وظائف العبد فيه أن يلهج لسانه بالتلبية معلنًا الاستسلام، وبالذكر معلنًا التوحيد، وإنَّ خير ما عَمَر به المرء وقته هو ما نصَّ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [الترمذي: السنن، (٣٥٨٥)].

٣- الصدقة والبر:

 إنَّ الصدقة في هذا اليوم بابٌ عظيم للقبول لعظمة الزمان؛ فهي برهان الصدق وطهرة للنفس، وقد حثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على البذل بقوله: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» [البخاري: الصحيح، (٦٥٤٠)].


  • ما ينفرد به (المعرِّف) الحاج بساحة عرفات:

١- السكينة في مواطن الزحام:

وهي العبادة الخفية التي تضمن سلامة النسك من الرفث والفسوق، وتجعل القلب حاضرًا مع الله لا مشغولًا بمدافعة الناس، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - وهو يفيض من عرفة: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكينةِ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» [البخاري: الصحيح، (١٦٧١)].

٢- أدب الانكسار والافتقار الأسمى:

 حيث يتجرد العبد من حوله وقوته مستقبلًا القبلة في هيئة المسكين المستطعم، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة؛ فقد صوره سيدنا أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - بقوله: "كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَفَاتٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فَسَقَطَ خِطَامُهَا فَتَنَاوَلَهُ بِيَدِهِ وَهُوَ رَافِعٌ الْيَدَ الْأُخْرَى" [النسائي: السنن، (٣٠١١)].


  • ما ينفرد به (غير المعرِّف) المقيم في بلده:

١- الصيام الماحي للذنوب:

يُسنُّ صيامه لغير الحاج احتسابًا للأجر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [مسلم: الصحيح، (١١٦٢)].

أما الحاج فيُكره له الصيام ليتقوى على الدعاء [تحفة الفقهاء، ١/٣٤٣]. إحياء السنة بالتكبير: البدء بالتكبير والتهليل وإقامة ذكر الله في البيوت والمساجد لتمتلئ الآفاق جلالًا؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ﴾ [البقرة: ٢٠٣].

إن رحمة الله واسعة؛ فمن عجز عن شهود المشعر ببدنه، فلا يعجزن عن شهوده بقلبه، فالعبرة بإصلاح المُعرَّف لا بمجرد الحضور: من فاته القيام بعرفة، فليقم لله بحقه الذي عرَّفه، ومن لم يقدر على نحر هديه بمِنى، فليذبح هواه هنا وقد بلغ المُنى [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، ص ٢٩٠]، فيا أيها السائر إلى الله، اجعل سكينتك شعارًا، ووقارك دثارًا؛ فإنما يُعطى العبد على قدر سكون قلبه، لا على قدر حركة بدنه.


 أحوال الصالحين في يوم عرفة

إن يوم عرفة هو المشهد الأسمى الذي تتجلى فيه عبودية الافتقار؛ حيث تتنوع أحوال العارفين في هذا الموقف بين خوفٍ أزعجهم، وشوقٍ ألهبهم، ورجاءٍ أنعش أرواحهم، لتصاغ من هذه الأحوال مدرسةٌ تربويةٌ للأمة جمعاء، وقد ضرب لنا الصدر الأول أروع الأمثلة في أدب الوقوف، فكانوا بين إشفاقٍ على النفس وثقةٍ في عفو المولى، وقف مُطَرِّف بن عبد الله وبكر المزني بعرفة، فقال أحدهما: "اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي"، وقال الآخر: "ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم"، أما الفضيل بن عياض فقد حال بكاؤه بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه وقال: "واسوأتاه منك وإن عفوت!" [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، دار ابن حزم، ٢٠٠٤م، ص ٢٨١-٢٨٢].

روي عن ابن المبارك أنه جاء إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تهملان، فسأله: "من أسوأ هذا الجمع حالًا؟" قال: "الذي يظن أن الله لا يغفر لهم" [ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد،١/ ١٢٠].

 الخلاصة

يوم عرفة هو محراب الزمان الذي يستوي فيه السائر ببدنه والمقيم بقلبه؛ فالعبرة فيه بذبح الهوى، وكف الجوارح عن الكبائر كالاختيال والغيبة، وإخبات الروح لبارئها؛ فطوبى لمن فقه الدعاء في يوم الدعاء فاللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.