5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في سينما هوليود

5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في سينما هوليود

يظهر الأب في السينما الغربية -والأمريكية خصوصا- في صورة تتأرجح بين القسوة والغياب، وبين الهروب والسيطرة. هذه الصورة ليست اختراعا دراميا خالصا، بل ابنة سياقات اجتماعية واقتصادية طويلة.

مع الثورة الصناعية خرج الأب إلى المصانع، وتحول في المخيال إلى "الممول الغائب" الذي يعود للضبط أكثر مما يعود للرعاية. ثم جاءت الحربان العالميتان، فغاب الرجال عن البيوت واعتاد الأبناء غيابهم، وحين عادوا حمل كثير منهم إصابات جسدية ونفسية جعلتهم عبئا جديدا على الأسرة. ومع تراكم الصدمات وارتفاع معدلات التفكك، انعكس ذلك على الشاشة في صورة آباء يتأرجحون بين السيطرة والانهيار.

هذه القائمة ترصد خمسة أفلام بارزة تجسد "الأب المأزوم" أو "القاسي"، وتكشف كيف تنظر هوليود إلى الأبوة في عالم يتغير.

1- مجتمع الشعراء الموتى.. حب بثمن

في "مجتمع الشعراء الموتى" (Dead Poets Society) للمخرج بيتر وير، تدور الأحداث في مدرسة داخلية صارمة، يتحول فيها النظام إلى عقيدة. يدخل المدرس جون كيتينغ (روبن وليامز) ليكسر هذا الجمود، ويشجع طلابه على التفكير الحر والبحث عن صوتهم.

في قلب الحكاية يقف نيل بيري (روبرت شون ليونارد)، طالب موهوب يحلم بأن يكون ممثلا، لكنه يصطدم بأب يرى مستقبله في الطب، ويرفض أي مسار آخر. لا يظهر الأب وحشا، بل ممثلا لنظام أوسع يعتبر أن الحب يعني التحكم، وأن المستقبل يُفرض لا يُناقش.

حين يكتشف شغف ابنه بالمسرح لا يحاوره، بل يلغيه. يدفع نيل ثمن هذا "الحب المشروط" بانتحار صادم، يشير الفيلم إلى أنه نتيجة لعنف غير مرئي: توقعات خانقة وسلطة أبوية لا تعترف بحق الابن في أن يختار حياته.

حتى المعلم كيتينغ يدفع الثمن، إذ تُحمّله المؤسسة مسؤولية التمرد، في محاولة لإعادة النظام القديم. في المشهد الأخير، وقوف الطلاب على الطاولات ليس تمرّدا على مدرسة فقط، بل على مجتمع يريد احتكار قرار أبنائه.

شيلي دوفال وداني لويد وجاك نيكلسون في فيلم "السطوع" (غيتي)

2- السطوع.. الأب كتهديد داخل البيت

في "السطوع" (The Shining) لستانلي كوبريك، يبدو الفيلم رعبا عن فندق معزول، لكنه في العمق حكاية عن أب يتحول إلى خطر داخل بيته. جاك تورانس (جاك نيكلسون) كاتب يعاني الفشل، يقبل وظيفة حارس شتوي لفندق "أوفرلوك"، وينتقل مع زوجته ويندي (شيلي دوفال) وابنه داني إلى عزلة كاملة.


العزلة لا تخلق الوحش بقدر ما تكشفه. إحباط جاك المهني يتحول إلى غضب، ثم إلى رغبة في الهيمنة، ثم إلى عنف صريح. مع الوقت، يرى أسرته عائقا أمام "تحقيق ذاته"، فيتحول من مصدر أمان إلى تهديد.

يصبح البيت نفسه مكانا غير آمن، يشهد فيه داني انهيار الأب خطوة خطوة، بينما تمثل ويندي سنوات من الخضوع التي لا تتحول إلى مقاومة إلا حين يصبح الهرب الخيار الوحيد. الرعب هنا ليس في الأشباح، بل في سلطة أبوية تفقد تعاطفها، فتجعل العائلة تعيش في حالة حصار داخل منزلها.

3- الجمال الأمريكي.. سلطة فارغة

"الجمال الأمريكي" (American Beauty) لسام ميندس يقدم ضاحية تبدو مثالية من الخارج، لكنها من الداخل مفككة. لستر برنهام (كيفن سبيسي) أب يعيش منتصف العمر بلا معنى، يكره عمله، ويجلس على مائدة لا يجيد الحديث فيها مع زوجته وابنته.

يمارس لستر نوعا من "السلطة بالانسحاب": حاضر جسديا، غائب عاطفيا، كأن دوره كأب صار مجرد شكل. حين يقرر "استعادة حياته"، لا يفعل ذلك عبر إصلاح هذه العلاقات، بل عبر تمرد متأخر يشبه أحلام المراهقين، فيتخلى عمليا عن مسؤولياته.

على الجانب الآخر يقف الجار الكولونيل فيتس (كريس كوبر)، نموذج الأب العسكري المتسلط، الذي يبني سلطته على الإنكار والقمع، ولا يترك مساحة للضعف أو الاختلاف، فيدفع ابنه إلى عزلة واغتراب.

بين أب منسحب وآخر قاس، يقول الفيلم إن الأزمة ليست في شكل السلطة فقط، بل في غياب التوازن: الأب إما منهار أو متحكم، وفي الحالتين تدفع العائلة الثمن. الابنة تبحث عن اعتراف، والأم تحاول تعويض انهيار الداخل بمظهر خارجي مثالي. "الجمال الأمريكي" عنوان ساخر تماما، إذ ينشغل الفيلم بما يختبئ خلف هذه الواجهة اللامعة من فراغ عاطفي وأبوة بلا مضمون.

الممثل كريس كوبر أو الأب القاسي في فيلم "الجمال الأمريكي" (غيتي)

4- سوف يكون هناك دم.. الربح أولا

يروي "سوف يكون هناك دم" (There Will Be Blood) لبول توماس أندرسون صعود دانيال بلاينفيو (دانيال دي لويس)، رجل يحول النفط إلى إمبراطورية، ويقرأ العالم بمنطق واحد: الربح أولا.

يتبنى طفلا في بداية مسيرته، فيبدو الابن جزءا من صورة الأب أمام الآخرين، ووسيلة لتسهيل الصفقات. لكن طريقة التعامل معه تكشف جوهر الرجل: قسوة باردة، ورفض للتعاطف، ونظرة للابن كواجهة اجتماعية أكثر منه إنسانا.

كل محاولة لاستقلال الابن تُرى كخيانة، وكل اختلاف كتهديد للسيطرة. في اللحظات التي تحتاج عطفا حقيقيا، يتراجع الأب، كأن تقديم الحب بلا مقابل ليس لغة يجيدها.

بالتوازي، يدخل في مواجهة مع الواعظ إيلاي صنداي، في صراع لا يدور حقا حول الإيمان، بل حول من يملك توجيه الآخرين؛ مال في مواجهة دين، وسلطة لا تقبل منافسا. يربح بلاينفيو معظم معاركه، لكنه ينتهي وحيدا، بلا أصدقاء ولا عائلة ولا حتى رضا داخلي، كمن بنى قصرا لا يصلح للسكن.

الفيلم يرسم نموذجا لأب يرى في العلاقات والأبناء امتدادا لنفوذه، لا مساحة للمشاركة. ومع كل توسع في سلطته، ينكمش ما تبقى من إنسانيته، حتى يصبح انتصاره النهائي وجها آخر لعزلته.

دانيال دي لويس بطل فيلم "سوف يكون هناك دم" (غيتي)

5- الأسوار.. قسوة موروثة

في "الأسوار" (Fences)، المأخوذ عن مسرحية أوغست ولسون، يقدم دنزل واشنطن -مخرجا وبطلا- عائلة أمريكية من أصول أفريقية في خمسينيات القرن الماضي، حيث تواصل العنصرية ترك أثرها داخل البيوت.

تروي القصة حياة تروي ماكسون، لاعب بيسبول سابق حُرم من الاحتراف بسبب قوانين ظالمة. تتحول خيبته إلى مرارة ثابتة، يحملها إلى زوجته روز وابنه كوري. حين يلوح أمام الابن حلم رياضي جديد، لا يرفض تروي موهبة ابنه، بل يرفض العالم نفسه؛ بالنسبة إليه، الأمل خطر والطموح فخ.

باسم الحماية، يقطع الطريق على ابنه قبل أن يُخذل، فيمارس قسوة يبررها لنفسه، لكنها تصبح جدارا بينه وبين ابنه. الأسوار التي يبنيها في حديقة البيت تتحول إلى استعارة لحياته كلها: حدود يظن أنها تحمي من عالم ظالم، لكنها تعزل من يحبهم عنه وعن بعضهم.

كما تشير مراجعات نقدية لفيلم "الأسوار"، قوته أنه لا يقدم تروي وحشا، بل إنسانا معطوبا يعيد إنتاج الظلم الذي تعرض له. القسوة هنا ليست معزولة عن تاريخ من الحرمان، لكنها مع ذلك تترك جرحا عميقا في الجيل التالي.

دنزل واشنطن بطل ومخرج فيلم "الأسوار" في أحد عروضه الخاصة (غيتي)

بين الأب الغائب والأب القاسي

لا تقدم هوليود صورة واحدة للأب، لكنها تميل إلى إظهاره في أزمة: غائب جسديا أو عاطفيا، قاسيا أو مأخوذا بمطاردة المال والنجاح على حساب العائلة. هذه الصورة لا تعني أن الأب شرير بطبيعته، بل تفتح سؤالا أكبر عن تبدل الأدوار وتآكل النماذج التقليدية للسلطة والرجولة في مجتمع صناعي رأسمالي سريع التحول.

في الخلفية تقف حروب وصدمات جماعية وضغوط اقتصادية، جعلت الأب شخصية تبحث عن موقعها في عالم لم يعد يعترف بسهولة بالسلطات القديمة. بين الحب المشروط والغياب والحماية التي تتحول إلى قيد، تذكرنا هذه الأفلام بأن الأبوة يمكن أن تصبح عبئا حين تنفصل عن التعاطف، وحين تنسى أن الأبناء ليسوا امتدادا، بل أشخاصا كاملي الحق في حياة يختارونها بأنفسهم.

المصدر: الجزيرة + الصحافة الأجنبية

تلقّ تنبيهات وتحديثات فورية بحسب اهتمامك. كن أول من يعلم بالقصص المهمة