زحلة أطلقت المئوية الثالثة لعيد أعيادها خميس الجسد الإلهي

زحلة أطلقت المئوية الثالثة لعيد أعيادها خميس الجسد الإلهي

في مشهد إيماني مهيب، أطلقت مدينة زحلة اليوم المئوية الثالثة لعيد أعيادها "خميس الجسد الإلهي"، ذلك التقليد الذي توارثه الزحليون جيلاً بعد جيل منذ أكثر من مئتي عام، ليبقى علامة مضيئة في تاريخ المدينة وذاكرتها الروحية.

منذ ساعات الفجر الأولى، دقّت أجراس الكنائس معلنة بدء الاحتفالات، فارتفعت الصلوات والتراتيل في مختلف الرعايا، قبل أن تنطلق مواكب القربان المقدس من الكنائس والأحياء، لتلتقي امام سراي زحلة بحضور أساقفة المدينة، إبراهيم مخايل إبراهيم، جوزف معوض، انطونيوس الصوري وبولس سفر، رئيس عام الرهبانية الباسيلية الشويرية ألأرشمندريت جورج نجار وكهنة الرعايا في زحلة. 

وحضر الإحتفال امام السراي النواب جورج عقيص، سليم عون والياس اسطفان، النائب السابق د. طوني أبو خاطر، محافظ البقاع القاضي كمال أبو جودة، مدعي عام البقاع القاضي مارسيل حداد، عضو المجلس الدستوري القاضي ايلي مشرقاني، رئيس بلدية زحلة – المعلقة وتعنايل المهندس سليم غزالة، مدير عام وزارة الزراعة المهندس لويس لحود، مدير عام الشؤون الخارجية في مجلس النواب كريستين زعتر معلوف، رئيسة مجلس إدارة ومدير عام تلفزيون لبنان الدكتورة اليسار نداف، رئيس مجلس إدارة ومدير عام مؤسسة مياه البقاع الدكتور أنطون معكرون، رئيس فرع مخابرات البقاع في الجيش اللبناني العميد محمد صفا ممثلاً برئيس مكتب امن زحلة المقدم جوزف نبهان، قائد منطقة البقاع الإقليمية في قوى الأمن الداخلي العميد نديم عبد المسيح، قائد سرية درك زحلة العقيد جوزف حجار، آمر فصيلة درك زحلة الرائد خازن صليبا، آمر مفرزة استقصاء البقاع المقدم حسان دياب، قائد جهاز امن الدولة في البقاع العميد نبيل الذوقي، رئيسة مصلحة الصحة في البقاع المهندسة جويس حداد، رئيس تجمع الصناعيين في البقاع نقولا أبو فيصل، رئيس جمعية تجار زحلة زياد سعادة، وعدد كبير من الأمنيين والمؤمنين. 


وكانت للمطران إبراهيم كلمة توجه فيها بالمعايدة الى الزحليين بمناسبة عيد أعياد المدينة خميس الجسد الإلهي، ومما قال: 

" أحييكم جميعاً بمحبة المسيح وسلامه، وأرحب بكم في هذا اليوم المبارك الذي تتجدد فيه مسيرة الإيمان في مدينتنا العزيزة زحلة، مدينة العذراء والقربان.

نلتقي اليوم لنحتفل بعيد خميس الجسد، هذا العيد الذي ارتبط بتاريخ زحلة وهويتها الروحية ارتباطاً وثيقاً، ولنعلن معاً بحماية وشفاعة ابن زحلة الطوباوي الجديد الأب بشارة ابو مراد المخلصي بداية المئوية الثالثة لهذه المسيرة المباركة التي لم تنقطع يوماً منذ انطلاقتها قبل مئتين وعام واحد"

وأضاف" إن دخولنا المئوية الثالثة لخميس الجسد ليس مجرد محطة زمنية عابرة، بل هو حدث تاريخي وروحي يحمل في طياته رسالة عميقة للأجيال الحاضرة والمستقبلية. فقبل مئتين وعام واحد، بدأ أجدادنا هذه المسيرة بإيمان راسخ ومحبة عميقة للقربان المقدس، وتعاقبت الأجيال حاملة الشعلة ذاتها، محافظة على هذا التقليد المقدس رغم كل ما مر على وطننا ومنطقتنا من ظروف وأحداث.

مرت على زحلة ولبنان حروب ونزاعات وأزمات سياسية واقتصادية، واجهنا المجاعة والفقر والتهجير، وعشنا الأوبئة والأمراض والكوارث والانهيارات المالية، لكن أبناء زحلة لم يتخلوا يوماً عن عيدهم، ولم تنطفئ شعلة الإيمان في قلوبهم، لأنهم كانوا يدركون أن قوة المدينة الحقيقية لا تكمن فقط في أبنيتها ومؤسساتها، بل في إيمان أبنائها وثقتهم بالله." 

وتابع سيادته " اليوم، ونحن نفتتح المئوية الثالثة لهذا العيد العظيم، نتضرع إلى الرب يسوع الحاضر بيننا في سر الإفخارستيا، أن يمد يده الشافية على لبنان، وأن يحرره من كل أوجاعه وأمراضه وأزماته. نصلي من أجل شفاء وطننا من وباء الحروب والفساد، ومن مرض الانقسام، ومن آفة اليأس التي تسللت إلى نفوس الكثيرين، ومن النزف المستمر الذي يتمثل بهجرة شبابنا وخيرة طاقاتنا البشرية."

وتابع " لقد وقفت زحلة دائماً إلى جانب الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية والقضائية والإدارية والعسكرية والأمنية، لأنها تؤمن بأن هذه المؤسسات هي الضمانة الحقيقية للاستقرار والعدالة والمساواة بين المواطنين.

ومن هنا نجدد اليوم تمسكنا بالدولة اللبنانية الواحدة، وبمؤسساتها الشرعية، وندعو إلى تعزيز حضورها ودورها في خدمة المواطنين وفي حماية الوطن والحفاظ على وحدته واستقراره."

واعلن المطران إبراهيم عن عقد اجتماع مع المدراء العامين في الدولة لبجث أمور إنمائية في البقاع وللإطلاع على حاجاته، وقال في هذا السياق " سيعقد يوم غد الجمعة لقاء موسع في سيدة النجاة يضم عدداً كبيراً من المدراء العامين من مختلف إدارات الدولة اللبنانية، وذلك بهدف متابعة الملفات الإنمائية والخدماتية والحياتية والعمل على إيجاد حلول عملية وسريعة لما يعانيه المواطنون في زحلة والبقاع.

أيها الأحبة، البقاع وزحلة يستحقان اهتماماً أكبر من الدولة، سواء على مستوى البنى التحتية أو الخدمات أو المشاريع الإنمائية. فهذه المنطقة قدمت الكثير للبنان، وهي قادرة على تقديم المزيد إذا توفرت لها الإمكانات والفرص المناسبة.

أيها الأحبة، لقد كانت زحلة دائماً أسرة واحدة، بكل عائلاتها ومكوناتها وفعالياتها الروحية والاجتماعية والاقتصادية. وهذه الوحدة هي من أثمن الكنوز التي نملكها، وهي سر من أسرار صمود مدينتنا عبر التاريخ."

ووجه المطران إبراهيم تحية الى الإغتراب الزحلي قائلاً" أتوجه بتحية محبة وامتنان إلى أبنائنا المنتشرين في مختلف أنحاء العالم. هؤلاء الذين حملوا اسم زحلة معهم أينما ذهبوا، ونجحوا وتألقوا وأثبتوا حضورهم في مختلف المجالات.

أيها الأحبة، "من هنا، من زحلة، ومن قلب هذه الساحة التي شهدت عبر القرنين الماضيين صلوات الآباء والأجداد، نرفع صوتنا اليوم مجدداً ونقول: 

سنبقى متمسكين بإيماننا، متمسكين بلبنان. قد تمر الأزمات، وقد تشتد الصعوبات، لكن الرجاء الذي حمله أجدادنا منذ مئتين وعام واحد سيبقى حياً في قلوبنا، لأن القربان الذي جمع زحلة بالأمس، هو نفسه الذي سيقودها إلى المستقبل.""

وختم المطران إبراهيم " زحلة" دار السلام" تؤمن به وتسعى اليه في كل آن، لكنها "مربى الأسود" لا تتهاون ساعة الضيم في الحفاظ على وجودها وكرامتها ودورها الوطني ورسالتها الحضارية.

زحلة كانت وستبقى قلب لبنان النابض لم تساوم يوماً على لبنانيتها. لذلك ترفض أن تكون موضوع مساومة وابتزاز.

نصلي لكي يحفظ الله زحلة وأهلها، ويحفظ البقاع ولبنان، ويمنحنا جميعاً نعمة السلام والاستقرار والرجاء. عاشت زحلة. عاش لبنان. وليبقَ المسيح الحاضر في القربان المقدس مصدر قوتنا ووحدتنا وخلاصنا. آمين." 

 بعدها انطلق التطواف الموحد يجوب شوارع المدينة، وسط مشاركة حاشدة من المؤمنين والكهنة والرهبان والراهبات والجمعيات الكشفية وحركات الشبيبة والأخويات والعائلات الزحلية.

وشكّل التطواف تجديداً للعهد الذي قطعه أهل زحلة منذ سنة 1825، عندما طيف بالقربان المقدس في شوارع المدينة طلباً للخلاص من وباء الطاعون، فارتبط هذا الحدث في الوجدان الشعبي بأعجوبة إلهية جعلت من خميس الجسد "عيد أعياد زحلة" ورمزاً لوحدة أبنائها وإيمانهم الراسخ.

وعلى امتداد مسار التطواف، ازدانت الشوارع والمنازل بالصمدات والورود والشموع، فيما علت رائحة البخور واختلطت بتراتيل المؤمنين الذين ساروا خلف القربان المقدس بخشوع وصلاة، في لوحة جسدت هوية زحلة الروحية والتراثية، وأكدت أن هذا العيد لا يجمع أبناء المدينة فحسب، بل يستقطب أيضاً آلاف المشاركين والزوار من مختلف المناطق اللبنانية والاغتراب.

ومع انطلاق المئوية الثالثة لهذا العيد العريق، تؤكد زحلة مرة جديدة أنها مدينة تحفظ إرثها وتصونه، وأن خميس الجسد الإلهي سيبقى أكثر من مناسبة دينية؛ إنه موعد سنوي تتجدد فيه ذاكرة المدينة، وتتوحد فيه القلوب حول قيم الإيمان والمحبة والرجاء، ليبقى "عيد أعياد زحلة" رسالة حياة وشهادة وفاء لتاريخ صنعه الآباء ويحمله الأبناء نحو المستقبل.