سليم صفير وأرض المدوّر

سليم صفير وأرض المدوّر

في زمن أصبحت فيه بعض المنصات الإعلامية تعتبر أن العنوان أهم من الحقيقة، وأن الإثارة أهم من الوقائع، لم يعد الخطر يقتصر على خطأ مهني أو اجتهاد صحافي، بل بات يصل إلى إعادة صياغة الوقائع بما يخدم رواية محددة، ولو كان الثمن تجاهل مستندات رسمية وأحكام قضائية نهائية. فالصحافة الاستقصائية لا تعني انتقاء جزء من الحقيقة وإخفاء الجزء الآخر، ولا تقوم على محاكمة الأشخاص عبر العناوين قبل أن يقول القضاء كلمته، بل على عرض الوقائع كاملة، بما يؤيد الفرضية وبما يناقضها، ليكون الحكم للرأي العام بعد الاطلاع على الصورة بأكملها.


وهذا تماماً ما يفرض نفسه في قضية رئيس مجلس إدارة “بنك بيروت” ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. فقد تحولت صفقة شراء عقار في منطقة المدوّر إلى حملة إعلامية واسعة، بُنيت على عناوين صادمة توحي بأن مصرفاً استولى على أرض عامة بطرق مخالفة للقانون، فيما جرى التركيز على غرامة فرضها ديوان المحاسبة على مسؤولين في بلدية بيروت، مقابل تغييب وقائع وقرارات قضائية لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الحكم النهائي الصادر عن مجلس شورى الدولة، الذي تناول جوهر النزاع. وبين ما رُوّج للرأي العام وما انتهت إليه المرجعيات القضائية، تبرز فجوة كبيرة بين السردية الإعلامية والوقائع القانونية، بما يطرح سؤالاً مشروعاً: هل كان الهدف كشف الحقيقة كاملة، أم تكريس رواية واحدة وإخفاء كل ما يناقضها؟


لا شك أن قرار ديوان المحاسبة الصادر عام 2026 أثار أسئلة مشروعة عندما اعتبر أن بيع العقار كان يجب أن يتم عبر مزايدة عمومية لا بالتراضي، وأنه فرض غرامات على محافظ بيروت السابق وبعض أعضاء المجلس البلدي. لكن في المقابل، أغفل كثيرون حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن القرار نفسه لم يعتبر بنك بيروت مخالفاً للقانون، ولم يفرض عليه أي عقوبة، ولم يبطل عقد البيع، ولم يُلغ انتقال الملكية.


وهنا تبدأ الرواية التي لم تحظَ بالمساحة نفسها.


فالجهة القضائية المختصة بالفصل في مشروعية القرارات الإدارية ليست ديوان المحاسبة، بل مجلس شورى الدولة، الذي أصدر في 19 شباط 2026 حكماً نهائياً برد مراجعة مصلحة سكك الحديد شكلاً وأساساً، وأكد قانونية الإجراءات التي أدت إلى انتقال الملكية، معتبراً أن العقار ليس من أملاك مصلحة سكك الحديد، وأنه يُعد مسلكاً ملغى يخضع للأحكام القانونية التي تجيز بيعه وفق المادة 80 من القرار رقم 275 الصادر عام 1926.


وهذه النقطة ليست تفصيلاً قانونياً، بل هي جوهر القضية. فبينما ركزت الحملة على قرار ديوان المحاسبة، جرى التغاضي عن أن أعلى مرجع قضائي إداري في لبنان حسم النزاع وأضفى الصفة القانونية على العملية برمتها.


الأهم أن آلية البيع بالتراضي لم تكن ابتكاراً من بنك بيروت أو من سليم صفير، بل هي منصوص عليها صراحة في المادة 80 من القرار رقم 275، التي تنص على أن المسالك الملغاة وفضلات العقارات غير الصالحة للاستعمال إلا بعد ضمها إلى عقارات ملاصقة، تُباع بالتراضي إلى أصحاب العقارات الملاصقة، ولا تُطرح في مزايدة علنية إلا إذا امتنع هؤلاء عن شرائها.


وقد سبق أن أكدت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل هذا التفسير، كما وافق عليه ديوان المحاسبة نفسه عندما منح موافقته المسبقة على مشروع العقد عام 2017.


وهذا يعني أن عملية البيع لم تكن قراراً منفرداً اتخذه المصرف، بل مرت بسلسلة طويلة من الإجراءات الرسمية، بدأت بالدوائر الفنية في بلدية بيروت، ثم المجلس البلدي، فمحافظ بيروت، ثم وزير الداخلية، ولجنة التخمين في وزارة المالية، فديوان المحاسبة، قبل أن تنتهي بقرار مجلس شورى الدولة.


ومن النقاط التي استُخدمت لإثارة الرأي العام أيضاً، الحديث عن تأسيس شركتي “مدور 1216” و”مدور 247”، وكأن الأمر يشكل التفافاً على القانون.


إلا أن البنك أوضح أن الشركتين هما المالكتان القانونيتان للعقارين الملاصقين، وأن الهدف من إنشائهما كان توحيد العقارات المخصصة للمقر الرئيسي للبنك ضمن قطعة واحدة متكاملة هندسياً، بعدما كان المسلك الملغى يفصل بين العقارين، وهو أمر ينسجم مع النص القانوني الذي يعطي الأولوية لأصحاب العقارات الملاصقة في شراء المسالك الملغاة.


أما الحديث عن خسارة الدولة عشرة ملايين دولار، فهو يبقى تقديراً يطرحه محامٍ يتابع الملف، وليس نتيجة تقرير رسمي أو حكم قضائي. ففي المقابل، تشير المستندات إلى أن لجنة التخمين الرسمية في وزارة المالية هي التي حددت سعر البيع بـ22.5 مليون ليرة للمتر، أي ما يعادل نحو 15 ألف دولار آنذاك، وهو سعر قالت الجهات الرسمية إنه يفوق السعر الرائج في السوق في تلك الفترة.


كذلك، فإن تصنيف العقار باعتباره “فضلة” أو “مسلكاً ملغى” لم يصدر عن بنك بيروت، بل عن الجهات الإدارية والفنية المختصة في بلدية بيروت، قبل أن يصادق عليه المجلس البلدي ووزير الداخلية. وبالتالي، فإن تحميل المصرف مسؤولية تصنيف إداري اتخذته السلطات المختصة يفتقر إلى الأساس القانوني.


وفي المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل ما أورده تحقيق “درج” من اعتراضات صادرة عن رئيس مجلس إدارة مصلحة سكك الحديد الحالي زياد شيّا، والرئيس السابق للمصلحة زياد ناصر، اللذين يعتبران أن العقار يشكل امتداداً لخط سكك الحديد وأنه لا يجوز إسقاطه من الملك العام. كما استند التحقيق إلى رأي المحامي واصف الحركة الذي يرى أن البيع كان يجب أن يتم عبر مزايدة عمومية، وإلى قرار ديوان المحاسبة الذي انتقد آلية البيع وفرض غرامات على بعض المسؤولين البلديين.


إلا أن هذه الاعتراضات، على أهميتها، لم تنتهِ إلى إبطال عقد البيع، كما أن القرار النهائي الصادر عن مجلس شورى الدولة بقي نافذاً وملزماً، وهو ما استند إليه بنك بيروت في تأكيده أن الملكية انتقلت بصورة قانونية بعد استكمال جميع الموافقات والإجراءات المنصوص عليها في القانون.


وهنا يصبح السؤال مختلفاً تماماً: هل القضية هي وجود مخالفة ارتكبها سليم صفير أو بنك بيروت؟ أم أن الخلاف الحقيقي يدور بين مرجعيات قانونية وإدارية حول توصيف العقار وآلية بيعه؟


حتى اليوم، لا يوجد أي حكم قضائي يدين سليم صفير أو بنك بيروت، ولا يوجد أي قرار قضائي أبطل عقد البيع أو ألغى انتقال الملكية. ومع ذلك، قُدّمت القضية للرأي العام وكأن الإدانة أصبحت أمراً واقعاً، وكأن الحكم النهائي قد صدر، فيما الواقع القانوني يقول شيئاً مختلفاً تماماً.


إن أخطر ما يمكن أن تمارسه أي وسيلة إعلامية ليس الخطأ، بل الانتقائية. فالانتقائية في عرض الوقائع ليست استقصاءً، بل تشويه للواقع. وعندما تُخفى الأحكام التي لا تناسب الرواية، وتُبرز فقط الوقائع التي تخدمها، يصبح الإعلام طرفاً في النزاع لا ناقلاً له، ويصبح الرأي العام أمام نصف حقيقة، فيما النصف الآخر يُدفن بين صفحات الملفات القضائية.


وفي دولة القانون، لا تُبنى العدالة على العناوين، ولا تُكتب الأحكام في المقالات، ولا يُدان الأشخاص لأن رواية إعلامية سبقت القضاء. فالحقيقة لا تتجزأ، ومن يريد كشفها، عليه أن يعرضها كاملة، لا أن يختار منها ما يخدم النتيجة التي قررها مسبقاً.