بناء قطاع مصرفي جديد

منذ اندلاع الأزمة المالية، يجمع اللبنانيون تقريبًا على أن بناء قطاع مصرفي جديد لا يمكن أن يتم من دون محاسبة كل من ساهم في الانهيار، سواء بقرار أو بإهمال أو بمخالفة للقانون. لكن مع بدء مناقشة مشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، برز سؤال أساسي: هل يكون الإصلاح عبر محاسبة المسؤولين، أم عبر إعادة توزيع الصلاحيات داخل مصرف لبنان؟
فالمشروع لا يقتصر على تنظيم أوضاع المصارف، بل يتضمن تعديلات تطال آلية إدارة السلطة النقدية وصلاحيات الحاكم والمجلس المركزي تحت عنوان تعزيز الحوكمة. وهنا تبرز مخاوف من أن يتحول مسار الإصلاح من محاسبة من تسبب بالأزمة إلى إعادة تشكيل بنية المؤسسة نفسها.
فالانهيار لم يكن بسبب وجود صلاحيات، بل بسبب طريقة استخدامها، وضعف الرقابة، وغياب المساءلة. لذلك يرى كثيرون أن الأولوية يجب أن تكون لتطبيق القانون على من اتخذ القرارات التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع، لا لتقليص صلاحيات المؤسسات التي يفترض أن تدير السياسة النقدية.
ولهذا، يصف بعض المتابعين هذا المسار بـ"طائف مالي"، باعتبار أن تعديل الصلاحيات قد يعيد رسم التوازنات داخل السلطة النقدية، كما حصل سابقًا في توزيع الصلاحيات السياسية، فيما تتراجع أولوية محاسبة المسؤولين.
لكن جوهر النقاش لا يتعلق بشخص حاكم مصرف لبنان، بل بفلسفة بناء الدولة. فالمؤسسات تبقى والأشخاص يرحلون، والدول القوية لا تعالج أخطاء الأفراد بإضعاف المؤسسات، بل بمحاسبة من أخطأ وفق القانون.
وفي المقابل، لا يعني ذلك رفض تطوير الحوكمة أو تعزيز الرقابة، فهي عناصر أساسية لأي إصلاح. لكن استقلالية المصرف المركزي يجب أن تترافق مع شفافية ومساءلة، لا مع تحصين المسؤولين عن قراراتهم.
إن نجاح إعادة هيكلة القطاع المصرفي لن يُقاس بحجم الصلاحيات التي يعاد توزيعها، بل بقدرة الدولة على فرض سيادة القانون، ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار، وبناء سلطة نقدية مستقلة وقوية وقادرة على استعادة الثقة.
فإذا كان الهدف إصلاح القطاع المصرفي، فليبدأ الإصلاح بالمحاسبة، لا بإعادة رسم موازين السلطة. لأن استبدال المساءلة بتعديل الصلاحيات قد يقود إلى "طائف مالي" جديد، تتغير فيه بنية المؤسسات بدل محاسبة من أساء إدارتها.