من الرحلة الإعلامية إلى الأثر التنموي كيف نجعل من جولتنا في شمال لبنان بدايةً لا نهاية؟

من الرحلة الإعلامية إلى الأثر التنموي  كيف نجعل من جولتنا في شمال لبنان بدايةً لا نهاية؟

أحمد ستيتة - منصة عشرة - صفحة الإعلام البيئي)


في ضوء الرحلة الإعلامية المرتقبة يوم الخميس 27 آب 2026 إلى القرية البيئية «خان الصابون» وقلعة السفيرة، أرى أن هذه المبادرة يمكن أن تتجاوز مفهوم الرحلة التعارفية أو السياحية التقليدية، لتتحول إلى مساحة حقيقية للقاء بين الإعلام والبيئة والتراث والتنمية المحلية.


فوجود مجموعة من الصحافيين والإعلاميين والناشطين الإعلاميين من مختلف المناطق اللبنانية في مكان واحد، إلى جانب أصحاب المبادرات المحلية والبلديات والمهتمين بالشأن البيئي والتراثي، يتيح فرصة نادرة لاكتشاف شمال لبنان من زاوية مختلفة؛ لا بوصفه مجرد وجهة للزيارة، بل باعتباره مساحة غنية بالإنسان والعلم والحرفة والطبيعة والتاريخ والآثار والطاقات القابلة للتحول إلى فرص تنموية.


أولًا: من «زيارة» إلى «اكتشاف»


يمكن أن ننظر إلى الرحلة باعتبارها رحلة اكتشاف حقيقية.


ففي «خان الصابون» لا نكتفي بالتعرّف إلى صناعة الصابون ومنتجاتها، بل نتأمل كيف يمكن للحرفة التقليدية اللبنانية أن تتحول إلى نموذج اقتصادي يحافظ على المعرفة المحلية، والصداقة البيئية، ويستفيد من الموارد الطبيعية، ويفتح فرصًا أمام الشباب والنساء وأصحاب المشاريع الصغيرة.


وفي السفيرة، لا تكون قلعة السفيرة مجرد محطة أثرية للتصوير والزيارة، بل مدخلًا للتفكير في العلاقة بين المعلم التاريخي ومحيطه الطبيعي، وفي كيفية حماية هذه المواقع وإعادة تقديمها كوجهات للسياحة الثقافية والبيئية والتنموية.


ثانيًا: الإعلام بوصفه شريكًا في التنمية


الإعلام لا يقتصر دوره على نقل الخبر.


يمكن للإعلام أن يكتشف قصة غير معروفة، ويعرّف الناس بموارد منطقتهم، ويكشف مشكلة بيئية، ويسلط الضوء على حرفة مهددة بالاندثار، ويفتح نقاشًا حول مشروع تنموي، ويجمع أصحاب المصلحة حول قضية مشتركة.


ومن هنا، يمكن لكل إعلامي مشارك أن يعود من الرحلة بثلاثة أشياء بسيطة:


قصة إعلامية واحدة تستحق أن تُروى.


وقضية بيئية أو تراثية واحدة تستحق المتابعة.


وفكرة تنموية واحدة يمكن البناء عليها.


إذا تحقق ذلك، فلن تكون الرحلة قد انتهت عند عودتنا، بل تكون قد بدأت مرحلة جديدة من العمل الإعلامي والمجتمعي.


ثالثًا: البيئة والتراث والتنمية… في صورة واحدة


من أهم ما يمكن أن نكتشفه في هذه الجولة أن البيئة والتراث والتنمية ليست ملفات منفصلة.


فالمعلم الأثري يحتاج إلى بيئة محيطة سليمة.


والسياحة تحتاج إلى طبيعة نظيفة ومسارات منظمة.


والحرفة التقليدية تحتاج إلى موارد مستدامة وأسواق جديدة.


والشباب يحتاج إلى فرص عمل مرتبطة بموارد مناطقهم.


والبلديات تحتاج إلى شراكات وخطط عملية.


والإعلام يحتاج إلى قصص حقيقية تستحق الاهتمام.


لهذا يمكن النظر إلى الرحلة باعتبارها نموذجًا صغيرًا لما يمكن أن نسميه «التنمية المتكاملة»: أن نحافظ على ما ورثناه، ونطوّره بما يخدم الإنسان، من دون أن نفقد هويته أو ندمر البيئة التي أنتجته.


رابعًا: فرصة للحوار وبناء الشراكات


وجود الإعلاميين والناشطين وممثلي المجتمع المحلي في مساحة واحدة يتيح أيضًا فرصة للحوار المباشر.


يمكن خلال الرحلة طرح أسئلة بسيطة ولكنها مهمة:


ماذا ينقص مناطقنا لكي تستثمر مواردها الطبيعية والتراثية بطريقة مستدامة؟


كيف يمكن تحويل الحرف التقليدية إلى مشاريع اقتصادية خضراء؟


كيف يمكن حماية الغطاء النباتي والموارد الطبيعية؟


كيف يمكن تطوير السياحة البيئية والثقافية؟


كيف يمكن إشراك الشباب في المشاريع المحلية؟


وكيف يمكن للإعلام والجمعيات والبلديات وأصحاب المبادرات أن يعملوا معًا بدل أن يعمل كل طرف منفردًا؟


هذه الأسئلة قد تكون أهم من أي خطاب رسمي، لأنها تفتح الباب أمام أفكار وشراكات يمكن تطويرها بعد الرحلة.


خامسًا: ما بعد الرحلة هو الأهم


نجاح الرحلة الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المشاركين أو الصور التي ستلتقط خلالها.


النجاح الحقيقي هو ما يمكن أن ينتج عنها بعد انتهائها.


قد تكون النتيجة تقريرًا صحافيًا.


أو تحقيقًا بيئيًا.


أو حملة للتعريف بموقع تراثي.


أو مبادرة لحماية منطقة طبيعية.


أو مشروعًا لدعم حرفة محلية.


أو تعاونًا بين جمعية وبلدية.


أو شبكة من الإعلاميين المهتمين بالقضايا البيئية والتنموية في شمال لبنان.


ومن هنا، فإنني أرى أن من المفيد بعد الرحلة أن نتبادل المواد والصور والمعلومات والأفكار، وأن نحاول تحويل أفضل ما سيخرج من الجولة إلى محتوى إعلامي ومبادرات عملية قابلة للمتابعة.


سادسًا: من شمال لبنان إلى صورة لبنان


شمال لبنان ليس مجرد منطقة جغرافية.


إنه ذاكرة حيّة من العلم والعلماء، والحرف والصناعات التقليدية، والطبيعة والجبال والوديان، والآثار والقرى، والإنسان الذي لا يزال قادرًا على صناعة الكثير رغم كل الظروف.


ولذلك فإن إبراز هذه الصورة لا يعني تجميل الواقع أو تجاهل مشكلاته، بل يعني إظهار الصورة الكاملة:


أن نرى مكامن القوة كما نرى مكامن الخلل.


أن نُظهر الجمال كما نكشف التحديات.


وأن نبحث عن الحلول بدل الاكتفاء بوصف المشكلات.


وهنا تحديدًا تكمن قيمة الإعلام المسؤول.


ختامًا


كل الشكر لمنصة MTN News على هذه المبادرة، وللقائمين على القرية البيئية «خان الصابون»، وللدكتور بدر حسون المحترم، ولأهالي وبلدية السفيرة، ولكل من يساهم في إنجاح هذا اللقاء.


ولنجعل من يوم الخميس 27 آب 2026 أكثر من مجرد يوم جميل يجمعنا في رحلة.


لنجعله يومًا نكتشف فيه بعضنا بعضًا، ونكتشف شمالنا بصورة أعمق، ونكتشف فرصًا ربما كانت أمام أعيننا ولم نلتفت إليها.


رحلة واحدة.


لكن يمكن أن تنتج عشرات القصص، وعشرات الأفكار، وربما بعض الشراكات والمبادرات التي تستمر طويلًا بعد انتهاء الرحلة.


من «خان الصابون» إلى قلعة السفيرة…


من الإعلام إلى البيئة…


ومن التراث إلى التنمية…


ومن الرحلة إلى الأثر.


مع خالص التقدير لجميع المشاركين،

وبانتظار يوم جميل، غني بالمعرفة، والتعارف، والحوار، والاكتشاف._______. متابعة. === عايدة. حسيني