بيبي كولومبو" تقترب من فك أسرار أصغر كواكب النظام الشمسي

بعد نحو 8 سنوات من إطلاقها، تدخل مهمة المركبة الفضائية "بيبي كولومبو" (BepiColombo) الأوروبية اليابانية مرحلة حاسمة في رحلتها إلى عطارد، أصغر كواكب النظام الشمسي وأقلها استكشافا.
وفي 3 سبتمبر/أيلول الجاري بدأت المهمة مرحلة الاقتراب النهائي من الكوكب، تمهيدا لإدخال مركبتيها العلميتين إلى مداره، حيث ستبدآن جمع بيانات قد تكشف أسرار نشأة عطارد وتطوره، وربما تقدم أدلة جديدة عن كيفية تشكل الكواكب الصخرية والنظام الشمسي.
مركبة "ماسنجر" التابعة لناسا، أول مركبة فضائية تدخل مدارا حول عطارد في عام 2011، خلال مهمتها لدراسة الكوكب وسطحه وبيئته الفضائية (ناسا)
بدأت رحلة "بيبي كولومبو" في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2018، ومنذ ذلك الحين قطعت مسارا طويلا ومعقدا عبر النظام الشمسي الداخلي، مستخدمة سلسلة من التحليقات قرب الكواكب لتغيير مسارها وسرعتها تدريجيا.
ورغم أن عطارد يبدو قريبا من الأرض، فإن الوصول إليه ليس سهلا، إذ يتعين على المركبة التخلص من جزء كبير من سرعتها المدارية حول الشمس حتى تتمكن من البقاء قرب الكوكب، ولهذا اعتمدت المهمة على تحليقات بالجاذبية قرب الأرض والزهرة وعطارد نفسه، ضمن رحلة شملت 9 تحليقات كوكبية.
عطارد.. هدف صغير أمام تحديات هائلة
لا تكمن الصعوبة في الوصول إلى عطارد فقط، إذ يجب على المركبة أيضا العمل في بيئة قاسية للغاية. وتتراوح درجات الحرارة التي يتعين على أنظمتها التعامل معها بين نحو 180 درجة مئوية تحت الصفر و450 درجة مئوية، في حين يمكن أن تصل شدة الإشعاع الشمسي إلى نحو 10 أضعاف ما تتعرض له المركبات قرب الأرض.
ويقول سانتا مارتينيز مدير مهمة "بيبي كولومبو" في وكالة الفضاء الأوروبية: "يُعتبر عطارد وجهة صعبة؛ فمن الصعب جدا الوصول إليه، ومن الصعب جدا تشغيل المركبة هناك".
وتعود قصة استكشاف عطارد إلى عام 1974، عندما اقتربت مركبة "مارينر 10" (Mariner 10) التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) من الكوكب في 3 تحليقات، وقدمت أول صور قريبة لسطحه المليء بالفوهات والتشققات، كما أكدت وجود مجال مغناطيسي وغلاف جوي شديد الرقة.
مهمة "بيبي كولومبو" تصل مدارها حول عطارد، في خطوة تمهد لبدء مرحلتها العلمية حول الكوكب (وكالة الفضاء الأوروبية)
وبعد عقود، وصلت مركبة "ماسنجر" (MESSENGER) إلى عطارد عام 2011، وأمضت 4 سنوات في دراسته، ورسمت للمرة الأولى سطح الكوكب بالكامل. وكشفت المهمة عن تجاويف لامعة شديدة الانحدار عُرفت باسم "التجاويف" (Hollows)، ووفرة من العناصر المتطايرة في سطح عطارد، إضافة إلى انزياح كبير في مركز مجاله المغناطيسي عن مركزه الداخلي. لكنها لم تتمكن من تقديم صورة كاملة عن النصف الجنوبي للكوكب.
خطوة واحدة تفصل المركبة عن مرحلة جديدة
يتكون "بيبي كولومبو" من مركبتين علميتين ستعملان لاحقا بشكل مستقل ومنسق حول عطارد، هما المركبة المدارية الكوكبية لعطارد التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية "إمبو" (MPO)، والمركبة المدارية المغناطيسية لعطارد التابعة لوكالة استكشاف الفضاء اليابانية "جاكسا" (JAXA)، المعروفة باسم "ميو" (Mio).
أما وحدة النقل "إم تي إم"، فقد تولت توفير الدفع والطاقة خلال الجزء الأكبر من الرحلة، وستنفصل مع تقدم المهمة، لتتولى أنظمة الدفع في المركبة الأوروبية المتبقية التحكم في مسارها استعدادا للمراحل التالية.
رسم يوضح مسار وصول مهمة "بيبي كولومبو" إلى عطارد والمراحل الرئيسية لرحلتها حول الكوكب (وكالة الفضاء الأوروبية)
ومن المقرر أن تبدأ عملية إدخال المركبتين إلى مدار عطارد في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، عبر سلسلة من المناورات، ثم تنفصل "ميو" عن "إمبو" في ديسمبر/كانون الأول. وبعد استكمال ضبط المدارات واختبار الأجهزة، من المتوقع أن تبدأ العمليات العلمية المنتظمة في أبريل/نيسان 2027.
ماذا سيكشف "بيبي كولومبو"؟
تكمن أهمية المهمة في أن عطارد لا يزال من أقل كواكب النظام الشمسي استكشافا، رغم أن دراسته قد تكشف كثيرا عن نشأة الكواكب وتطورها والظروف القريبة من الشمس. وستعمل المركبتان بأجهزة علمية مختلفة لدراسة سطح عطارد وتركيبه وبنيته الداخلية ومجاله المغناطيسي وتفاعله مع الرياح الشمسية.
وستركز "إمبو" على سطح الكوكب ومعادنه وتضاريسه ومجاله الجاذبي، إضافة إلى التجاويف والرواسب البركانية، بينما ستدرس "ميو" البيئة المحيطة بعطارد، بما في ذلك مجاله المغناطيسي وغلافه الخارجي الرقيق جدا، المعروف باسم الإكسوسفير، والغبار الموجود في المنطقة القريبة منه.
ويقول غيراينت جونز، كبير علماء مشروع "بيبي كولومبو" في وكالة الفضاء الأوروبية، إن المركبتين ستتمكنان من تحليل الغازات المحيطة بعطارد، ومعرفة أنواعها، وما إذا كانت مناطق معينة من سطح الكوكب تطلق مواد إلى الفضاء، وكيف تتغير هذه العمليات مع الزمن.
كما ينتظر العلماء الحصول على صور أكثر دقة للنصف الجنوبي من عطارد، وربما الكشف عن رواسب من الجليد المائي داخل فوهات عميقة لا تصل إليها أشعة الشمس. ويأمل الباحثون أن تساعد البيانات الجديدة في الإجابة عن السؤال الأكبر: كيف تشكل عطارد أصلا؟
ويقول شون سولومون، عالم الكواكب في جامعة كولومبيا، إن "مارينر 10" قدمت أول رؤية قريبة لعطارد، لكنها تركت "صفحات كثيرة فارغة". أما راشيل كليما، عالمة جيولوجيا الكواكب في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة "جونز هوبكنز"، فتصف عطارد بأنه "غريب وجميل ومثير للاهتمام"، معربة عن حماسها للبيانات الجديدة.
ومع اقتراب "بيبي كولومبو" من مرحلتها العلمية، تظهر قيمة العلم في قدرته على الوصول إلى أماكن تبدو شديدة القسوة، وتحويل البيئات المجهولة إلى بيانات ومعرفة. فكل صورة وقياس جديد من عطارد قد يضيف صفحة إلى قصة نشأة الكواكب، ويؤكد أن الاستكشاف العلمي يبدأ من الأسئلة التي ما زالت بلا إجابة.
المصدر: الجزيرة + وكالات
تلقّ تنبيهات وتحديثات فورية بحسب اهتمامك. كن أول من يعلم بالقصص المهمة
- يتابع هواة وعلماء الفلك صبيحة يوم الجمعة 10 نيسان/أبريل 2020 الجاري مركبة الفضاء “بيبي كولومبو” وهي تعبر سماء الأرض على مسافة قريبة جدا من سطحها في طريقها نحو كوكب عطارد.

"
- قاد ظهور البقع الشمسية متزامنة مع طلوع الشفق القطبي وانقطاع الاتصالات العلماء إلى ضرورة معرفة كنه الشمس وخصائص أقرب كوكب منها؛ عطارد، فسبروا أغوار هذين الجرمين ليجدوا عجبا.

- أعلن فريق علمي من وكالة الفضاء الأوروبية أن الأقطاب المغناطيسية الخاصة بكوكب عطارد تتغير مع الزمن، ومثلها مثل الأرض كانت قد انقلبت أكثر من مرة في الماضي السحيق للكوكب.

- قالت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) إن مسبار ماسنجر اقترب إلى مسافة 203 كلم من السطح الصخري لكوكب عطارد، ليصبح أول مركبة فضائية منذ العام 1975 تحلق فوق أقرب كوكب إلى الشمس.