ندوة اقتصادية عن موازنة 2027

أقام دار الندوة والمنتدى الاقتصادي الاجتماعي في بيروت لقاء اقتصادي خُصّص لمناقشة مشروع موازنة عام 2027، المزمع إقراره في مجلس النواب، في حضور عدد من المهتمين بالشأن الاقتصادي والمالي.
وشكّل اللقاء مساحة لطرح مجموعة من الهواجس والأفكار المرتبطة بالواقع الاقتصادي اللبناني، من الموازنة والضرائب والدين العام، إلى الإنتاج والكهرباء والسياسة النقدية وإعادة الإعمار، وسط نقاش حول قدرة الموازنة على الانتقال من مجرد إدارة الأزمة إلى وضع أسس لخطة اقتصادية وتنموية واضحة.
وأدار اللقاء الدكتور حيان حيدر، الذي شدد في كلمته على أهمية طرح مواضيع الساعة ومناقشة الأفكار من زاوية اقتصادية واجتماعية، وقال إن المنتدى الاقتصادي الاجتماعي يسعى إلى مقاربة القضايا المطروحة انطلاقاً من الأرقام والتخطيط.
وأشار حيدر إلى أن الأرقام كانت حاضرة في مسيرته الأكاديمية والمهنية، مؤكداً أن الرقم لا ينفصل عن التخطيط في إدارة شؤون الناس، وطرح مقولة مفادها أن «الفشل في التخطيط يعني التخطيط للفشل».
ورأى أن الخطط والإجراءات الاقتصادية تشكل أدوات أساسية في مواجهة الأزمات التي تطال مختلف مجالات الحياة، معتبراً أن الموازنة واحدة من أهم الأدوات التي تستخدمها الدولة في إدارة المرحلة الاقتصادية، متسائلاً في هذا السياق عن المساءلة وقطع الحساب ودورهما في تعزيز الرقابة المالية.
أمين صالح: الموازنة ترجمة لسياسة الحكومة بالأرقام
من جهته، قدّم الأستاذ أمين صالح، مدير المحاسبة العامة سابقاً في وزارة المالية، قراءة نقدية لمشروع الموازنة، مشيراً إلى أن ظروف الحرب والأزمات تستدعي مقاربة استثنائية للموازنة.
وأوضح أن الموازنة ليست مجرد أرقام، بل هي ترجمة للسياسة الحكومية خلال سنة مالية كاملة، باعتبارها موازنة شاملة للإيرادات والنفقات، مؤكداً أن إقرارها واجب دستوري، وأن انتهاء السنة المالية يضع حداً للعمل بأرقامها.
وتناول صالح الواقع الاقتصادي الراهن، مشيراً إلى وجود انكماش اقتصادي وضغوط تضخمية وتراجع في الاستهلاك وغياب النمو وضعف الطلب والإنتاج، كما انتقد ما وصفه بالاعتماد المتزايد على الاقتطاع الضريبي، ولا سيما الضرائب المفروضة على الرواتب والأجور.
وأشار إلى تراجع الدعم المالي الخارجي، داعياً إلى تعزيز الاعتماد على القدرات الاقتصادية المحلية والإنتاج الحقيقي، كما تطرق إلى ارتفاع كلفة الاستيراد، معتبراً أن استمرار الفجوة الاقتصادية يرتبط إلى حد كبير بضعف الإنتاج المحلي.
وفي حديثه عن الملفات المالية، أثار صالح مسألة الكهرباء التي تمتد أزمتها منذ عقود، مشيراً إلى تعدد الخطط التي طُرحت من دون الوصول إلى حل مستدام، كما تطرق إلى ملف الأملاك البحرية العمومية والضرائب المفروضة عليها، وإلى الإعفاءات الضريبية وبعض أوجه النظام الضريبي.
كما تناول سعر الصرف والسياسة النقدية وفروقات الذهب وأثرها على المالية العامة، داعياً إلى إعادة النظر في السياسة النقدية والمالية بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الحالي.
وشدد صالح على أهمية تحديد القواعد التي يجب أن تقوم عليها الموازنة، معتبراً أن الاستماع إلى توصيات المؤسسات المالية الدولية، ومنها صندوق النقد الدولي، يشكل جزءاً من النقاش المطلوب حول مستقبل المالية العامة.
عماد جبري: الموازنة يجب أن تتحول إلى خطة تنموية وإنتاجية
بدوره، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور عماد جبري أن موازنة 2027 تأتي في إطار إدارة الأزمة الحالية، معتبراً أنها تندرج ضمن موازنة البنود، مع توجه نحو مفاهيم البرامج والأداء المستوحاة من تجارب القطاع الخاص.
وتوقف جبري عند مسألة توقف قطع الحساب منذ سنوات، معتبراً أن التجربة اللبنانية تكشف عن خلل عميق في الإدارة المالية، داعياً إلى معالجة هذا الملف وتعزيز الشفافية والرقابة.
وأشار إلى ارتفاع الضرائب على الرواتب والأجور، مؤكداً أن الموازنة لا ينبغي أن تكون مجرد «مصفوفة أرقام»، بل يجب أن تتحول إلى خطة تنموية وإنتاجية قادرة على خلق فرص عمل وتحريك الاقتصاد.
كما لفت إلى أن مشروع الموازنة، وفق قراءته، لا يتناول بصورة كافية المخاطر المالية المحتملة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة، ولا يعطي البعد الاجتماعي المساحة المطلوبة، خصوصاً لجهة انعكاس الإجراءات المالية على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
وشدد جبري على أهمية دعم إعادة الإعمار باعتبارها واجباً وطنياً، وتعزيز التعليم والخدمات للعائلات المتضررة والنازحين، إضافة إلى دعم الأسر الأكثر فقراً، معتبراً أن المرحلة تتطلب إصلاحات واضحة وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة مدروسة.
من «موازنة الأزمة» إلى اقتصاد الإنتاج
وخلص اللقاء إلى نقاش موسع حول السؤال الأساسي: هل تستطيع موازنة 2027 أن تكون أكثر من مجرد أداة لإدارة الأزمة؟
وبينما ركزت المداخلات على أرقام الإيرادات والنفقات والضرائب، حضرت بقوة ملفات الإنتاج المحلي، الكهرباء، السياسة النقدية، العدالة الضريبية، قطع الحساب، إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية، في وقت تبدو فيه الحاجة قائمة إلى رؤية اقتصادية تربط بين الموازنة والتخطيط والإنتاج وفرص العمل والنمو.
وشكّل اللقاء، في نهاية المطاف، مساحة للحوار الاقتصادي والنقدي حول مشروع موازنة عام 2027، انطلاقاً من أهمية أن تكون الأرقام المالية مرتبطة بسياسات واضحة وأهداف قابلة للقياس، وأن يبقى النقاش الاقتصادي مفتوحاً أمام مختلف الآراء والخبرات.