تهديدات خطيرة تطال الضاحية والجنوب... جدّية أم مناورة؟

في العلم العسكري، لا يتم عادة الكشف عن الخطط القتالية ولا تحديد نوعية الضربات المنتظرة وأماكنها. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس هدّدا علنًا بتوسيع الهجمات واحتلال المزيد من الأراضي في جنوب لبنان، بما يشمل ضم النبطية ومناطق حتى نهر الليطاني إلى ما وصفاه "المنطقة الأمنية الدائمة"، إضافة إلى التسبب بإخلاء الضاحية الجنوبية بكاملها. فهل هذه التهديدات الخطيرة جدّية وقابلة للتنفيذ، أم أنها تدخل في إطار المناورة والضغوط السياسية والمعنوية على السلطة اللبنانية وعلى "حزب الله"؟
لا بدّ من الإشارة بدايةً إلى أن "تل أبيب" ربطت تنفيذ هذه التهديدات بمدى انخراط "حزب الله" عسكريًا إلى جانب إيران، في حال شنّت هذه الأخيرة هجمات جديدة ضد إسرائيل. وكأنها لا تأخذ في الاعتبار احتمال عودة "الحزب" إلى تنفيذ عمليات مقاومة ضدها بهدف تحرير الأرض، بل تخشى حصرًا أن يؤازر إيران في أي موجة قتالية رئيسية ثالثة. وبغض النظر عن التكهنات الإسرائيلية التي لا يُبنى عليها، من الضروري استعراض الوقائع الميدانية التي تؤشر إلى عودة الحرب الشاملة إلى الشرق الأوسط وتلك التي تستبعد هذا الأمر.
وفي هذا السياق، إن احتمال أن تبادر إيران بإعادة فتح المواجهة مع إسرائيل مستبعد، لأن الضغط الذي تمارسه عبر تعريض المرور في مضيق هرمز للخطر، وعبر ضرب المصالح الاقتصادية والنفطية للمملكة العربية السعودية والسعي للتأثير على حركة المرور البحرية في باب المندب، بمساعدة جماعة "أنصار الله" الممولة والمدعومة منها، أعطى نتائج جيدة لصالح طهران، لا سيما لجهة التسبب بأزمة غلاء عالمية مستشرية. وبالتالي، لا حاجة في الظرف الراهن لأن تضرب إيران إسرائيل مجددًا وتستجلب على نفسها ردودًا وهجمات إسرائيلية واسعة. لكن بعض المحللين لا يستبعدون إمكان أن تبادر طهران بشكل مباشر، أو عبر "الحزب"، لشن ضربات مفاجئة على إسرائيل عشية الانتخابات التشريعية المقررة في السابع والعشرين من الشهر الحالي، للتأثير على النتائج والتسبب بخسارة ائتلاف نتنياهو. إلا أن هذا التوقع مستبعد ولا يستند إلى أي أدلة حسية وملموسة، على الرغم من وجود تقارير عدة تتحدث عن أن كل الجهات المعنية بالصراع في الشرق الأوسط، من أميركا امتدادًا إلى إيران، وما بينهما من دول وجهات مسلحة، تعمل حاليًا على تحضير نفسها، عدة وعديدًا، للجولة المقبلة من الحرب، من دون أن يجزم أي فريق بالتاريخ المحدد للحرب.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، تواصل الوحدات الأميركية حشد حاملات الطائرات والسفن المرافقة لها في المنطقة، في حين تعمل فيه إسرائيل والعديد من الدول العربية على رفع مخزونها من الصواريخ الاعتراضية. أما إيران، فهي تعمل من جهتها على تحصين منشآتها النووية، ومنها منشأة "جبل الفأس" ونطنز، عبر بناء تحصينات حديدية وسواتر ودشم ترابية لمحاولة حمايتها من أي غارات جوية محتملة. وتقوم طهران على خط موازٍ بترميم ترسانتها من الأسلحة، لا سيما منها الصواريخ الهجومية بمختلف أنواعها، ومنصات إطلاقها. وعلى غرار الأسلوب الإسرائيلي القاضي بتعميم التهديدات والخوف، حذّرت إيران من أن تعرضها لموجة جديدة من الضربات سيدفعها إلى مهاجمة أهداف لم تتعرض للقصف في السابق، ومنها مراكز وأنظمة الذكاء الاصطناعي في المنطقة والكابلات البحرية العائدة إلى شبكة الإنترنت والممدودة في المياه، وغيرها.
وفي ما خص الجبهة اللبنانية، لا يختلف الواقع كثيرًا، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي طلعاته الجوية فوق مختلف أراضي لبنان بهدف المراقبة والاستكشاف وإعداد لائحة بالأهداف المستقبلية المحتملة. كما أنه يقوم بشكل مستمر باستهداف القرى والبلدات المحاذية لمناطق احتلاله في الجنوب، عبر الغارات والقصف المدفعي والتوغلات البرية، لتدمير أي دفاعات أو تحصينات أو مواقع قتالية يمكن أن تكون متواجدة فيها. في المقابل، جرى تسجيل أكثر من طلعة جوية عبر مسيّرات نسبت إلى "حزب الله" لرصد تحركات قوات الاحتلال في الشريط المحتل، وجرى تسريب معلومات صحافية عن استدعاء "الحزب" لعناصره بنسبة عالية بموازاة نقل أسلحة ومعدات قتالية مختلفة إلى الجنوب، في إطار تدبير استنفار شامل. وبحسب المعلومات المتوافرة، إن إسرائيل جادة تمامًا في التهديدات التي حرصت على تعميمها علنًا، على أمل لجم "الحزب" عن المشاركة في أي جولة قتال ثالثة محتملة. لكن حسابات "حزب الله" تختلف عن حسابات إسرائيل، وهو لن يتردد في خوض جولة عسكرية ثالثة، في حال رأى "الحرس الثوري الإيراني" ضرورة لتحريك مختلف الجبهات في آن واحد. وهذا لا يعني أن "الحزب" يستخف بالتهديدات الإسرائيلية، وبانعكاساتها المدمرة على البيئة الحاضنة له، لكنه سيعوّل في حال انخراطه في المعركة الكبرى المنتظرة على أن تتمكن إيران من الصمود مرة أخرى، ومن أن تفرض بالتالي تسوية متكاملة للمنطقة تشمل انسحابًا إسرائيليًا من الجنوب، وحماية معنوية لمصير "الحزب" نفسه.
في الخلاصة، يتفق الجميع على أن الأمور في الشرق الأوسط لا يمكن أن تستمر طويلًا على هذه الحال. ويحذر الجميع في الوقت عينه من أن أي مواجهة مقبلة ستكون شرسة وعنيفة جدًا، مع توقع أن تلحق أضرار جسيمة بمختلف الأفرقاء المعنيين، وإن بنسب متباينة. من هنا، وعلى الرغم من التوقعات بحصول مواجهة شاملة ثالثة مع إيران، ما لم يتم الوصول إلى تسوية في اللحظة الأخيرة، فإن الجهات التي يُرتقب تورطها في الحرب تقيس المكاسب والخسائر بدقة، وتحسب ألف حساب، قبل إعطاء الضوء الأخضر لانطلاق العمليات العسكرية!
ناجي البستاني
النشرة