الحاجة “أم ماهر” لقد بلغت من العمر عتيّاً ولم اعش اسوأ من هذه الايام العجاف

٢٦/‏٢/‏٢٠٢١

الحاجة “أم ماهر” لقد بلغت من العمر عتيّاً ولم اعش اسوأ من هذه الايام العجاف

تستشيط الحاجة “أم ماهر” البطش غضباً وهي تتمتم بكلمات سريعة ومقتضبة، لتعبّر عن استيائها من ارتفاع اسعار المواد الاستهلاكية والغذائية، قبل ان تصل الى اللحوم. تتحدّث بلا حرج، وقد حلّق سعرها عالياً ارتباطاً بالدولار، ولم تعد قادرة على شراء حتى “الوقية”، بعدما ناهز سعر الكيلو الواحد الخمسين ألف ليرة لبنانية. تقول لـ”نداء الوطن”: “لقد بلغت من العمر عتيّاً، ولم اعش اسوأ من هذه الايام العجاف، حتى خلال الحرب لم تصبح اللحوم مجرّد أمنية”.

غضب “أم ماهر” يجسّد نموذجاً لمدى استفحال الضائقة المعيشية والاقتصادية التي يئنّ تحت وطأتها مئات العائلات الصيداوية الفقيرة والمتعفّفة، دفعتها الى التخلّي عن كلّ شيء تدريجياً، بل أجبرتها على ترتيب سلّم اولوياتها وِفق امكانياتها المالية، بين سندان البطالة والفقر وصولاً الى الطعام والشراب الضروريين والحبل على الجرّار. هذه العائلات باتت تواجه اليوم قلقاً متزايداً من غلاء ربطة الخبز، وتقول “أم ماهر”: “قد نصل الى الرجيم القسري او النوم بلا طعام احياناً. ليس هناك شيء مستبعد في حال استمر الانهيار على هذا النحو السريع من دون حلول جدية”.

وصيدا تعُتبر أفضل من غيرها من المدن اللبنانية في التكافل الاجتماعي واطلاق المبادرات الاغاثية والانسانية، لكن حاجيات الناس كثيرة، ولا يمكن للبلدية والمؤسسات الاهلية والجمعيات الخيرية ان تقوم بدلاً من مؤسسات الدولة. غير أنّ المشكلة لا تكمن في ذلك فقط، اذ يقول الناشط الاجتماعي وليد السبع أعين لـ”نداء الوطن”: “إنّ السبب، جشع كبار التجار، فاذا ارتفع الدولار سرعان ما يرفعون الاسعار، واذا انخفض تبقى على حالها وكأنّ شيئاً لم يكن، والانكى انه اذا عاد وارتفع مرة جديدة والى المستوى ذاته يرفعونها مجدّداً، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة”، مضيفاً: “لقد مرّ لبنان بمثل هذه الظاهرة في اواخر الثمانينات حين ارتفع الدولار الى الف وخمسمئة ليرة، ولكن الاسعار لم ترتفع بمثل هذه الاضعاف المضاعفة، لقد اختفت الطبقة الوسطى، وبات هناك طبقة غنّية تحكم البلد للأسف وهي التجّار”.

منذ بدء الازمة المعيشية وجائحة “كورونا” قبل عام، سجّلت الجمعيات الحقوقية حالات عديدة لا سيما في صفوف العمّال، دفعها اليأس والاحباط الى الانتحار او محاولة الاقدام عليه او التفكير به. البعض فعلها والبعض الآخر حاول وسكب البنزين على نفسه للتخلّص من المعاناة، والبعض الثالث اختصر الطريق وفضّل الهجرة على العيش في بلد لا يحترم فيه الانسان، ويخشى مراقبون أن تعود هذه الحالات للظهور مُجدّداً، مصحوبة بمشاكل نفسية وعصبية وعائلية واجتماعية اضافية.

خلال الساعات الماضية، وفي خضم ازمة صرف عمّال من معمل معالجة النفايات الحديث في صيدا، حاول العامل شادي “أبو صابر” إحراق نفسه في مكان عمله، سكب مادة البنزين على جسمه احتجاجاً على تهديده بالطرد من العمل، فسارع العمال الموجودون إلى منعه من إشعال النار.

وكانت قضية العُمّال في المعمل الذين نظموا اعتصاماً للمطالبة بزيادة رواتبهم، قد تفاعلت على اكثر من صعيد بعدما قابلت ادارة الشركة المشغلة مطلبهم بطرد موظفين من دون أي تعويض لهم، وقد رفعوا شكوى الى وزارة العمل وجالوا على فاعليات صيدا للتدخّل بانتظار انصافهم.

المصدر: محمد دهشة – نداء الوطن