الأرض أمانة والزرع رسالة

الأرض أمانة والزرع رسالة

يلاحظ كلّ من يمرّ في هذه الايام بمحاذاة أملاك دير سيدة النجاة – بصرما نشاطًا زراعيًا لافتا وواعدًا، يَظهر من خلاله مدى العناية الخاصة التي يوليها الدير للقطاع الزراعي، انطلاقًا من إيمانه العميق بأهمية البيئة ودورها الجوهري في حفظ التوازن الطبيعي وصون عطايا الخالق. ففي أرض الكورة، حيث تتوّج شجرة الزيتون عروسًا خضراء للتلال والسهول، يبرز هذا الدير شاهدًا حيًّا على علاقة الإنسان بالأرض، علاقة أمانة 

وقد احتلّت شجرة الزيتون مكانة مميّزة في الكتاب المقدّس، إذ ارتبطت بالسلام والبركة والحياة. فهي الشجرة التي حمل غصنها حمامة نوح معلنة نهاية الطوفان وبداية عهد جديد بين الله والإنسان: "فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ نَقَصَتْ عَنِ الأَرْضِ" (تكوين 8: 11). وهي أيضًا رمز الغنى والبركة في المزامير: "أَوْلاَدُكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ" (مزمور 128: 3). ولم تكن الزيتونة بعيدة عن رسالة المسيح، إذ صلّى يسوع في بستان الزيتون، حيث امتزجت عذابات الإنسان برجاء الخلاص.

وانسجامًا مع هذا البعد الكتابي والروحي، بادر الدير إلى إعادة تشجير المساحات البور الواقعة ضمن أراضيه في منطقة بصرما، فعمل ولا يزال يعمل على غرس ما يزيد على 2000 شجرة من الزيتون والخروب، إلى جانب أشجار مثمرة متنوّعة، في خطوة تهدف إلى إحياء الأرض وإعادتها إلى خصوبتها الطبيعية، وجعلها مصدر عطاء مستدام للأجيال الحاضرة والمقبلة.

ولم يكن هذا الجهد مجرّد عمل زراعي تقني، بل رؤية متكاملة تعكس احترام الأرض كإرث مقدّس، وكأمانة تسلّمناها من أجدادنا وآبائنا ورهباننا الأبطال الذين عاشوا من خيراتها وحمَوها بتعبهم وعرقهم. وكما قال جبران خليل جبران: "الأرض تعطيك بقدر ما تعطيها من قلبك"، فإن الدير يرى في العناية بالأرض فعل وفاء للتاريخ، ورسالة أمل للاتي من الايام.

هكذا، يشكّل القطاع الزراعي في دير سيدة النجاة – بصرما مساحة لقاء بين الإيمان والعمل، بين الروح والتراب، حيث تُزرَع الشجرة اليوم لتشهد غدًا على ثقافة الحياة، والالتزام، والرجاء.