ورشة حول "حلّ النزاعات والسلم الأهلي" في مركز "لقاء" في الربوة

عقد في مركز "لقاء" في الربوة بقرنة شهوان، ورشة حول "حلّ النزاعات والسلم الأهلي"، بدعوة من مجموعة "حلّ النزاعات» و«منتدى التنمية للثقافة والحوار»، وتحت عنوان «تحصين السلم الأهلي في ضوء المستجدات الراهنة» في إطار محاولات تنظيم مساحات حوار ونقاش في لبنان، شارك فيها وجوه مؤثرة وفاعلة في مختلف الأطر العامة والوطنية أكاديميا واعلاميا ودينيا وسياسيا.
وابرز الحاضرين في اليوم الأول للورشة اللواء عباس إبراهيم، الإعلاميّة سمر أبو خليل، رئيس "حزب الخضر" الناشط فادي أبي علاّم، بمشاركة فاعلة من طلاب جامعيين من مختلف الجامعات والاختصاصات والمناطق.
انطلق اليوم الأول بالنشيد الوطني وبكلمة ترحيبيّة من المُستضيف كمال بكاسيني، وبتقديم من المُنسقة العامة للفعاليّة الدكتورة ضحى المصري، مع كلمة مهمة للقس رياض جرجور.
هذه الورشة، وبحسب المُنظمين، هدفت إلى "خلق مساحة تفاعليّة للحوار والنقاش بين المسؤولين اللبنانيين، والشباب من مختلف المناطق، وعدد من الناشطين والخبراء في مجال الحوار والسلم الأهلي، لتبادل الخبرات والأفكار حول سبل تعزيز الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني".
وأكدت المصري "قواعد العمل المستقبلي للشباب التي تقوم على القوة والتغيير"، داعية إلى "العمل لمنع هجرة العقول والطاقات والشباب، لما في ذلك من خسارات".
وأكد القس جرجور أن "هدفنا من اللقاء هو الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد، والحرب والنزوح والوضع الاقتصادي الذي أضعف سلطة الدولة والقدرة الجماعية على التمييز بين الخير والشر في الفضاء العام، وبفعل الخوف والمعلومات المضللة والولاءات الموروثة التي ضخّمت القضايا الطائفية، وتشخيص المظالم"، مضيفا "نحن بحاجة لنوع من المناعة الفكرية التي نعتبرها ليست لتحقيق السلم الأهلي، بل لتحصينه".
وختم: "لا بد من التعاون بين الشباب والشابات مع مجموعة من العقلاء ليصير لدينا مجال لدور قيادي لاعادة التماسك المجتمعي وتشكيل السرديات ليكونوا دعاة سلام وتحصين أهلي".
وانطلقت الورشة بكلمة للواء إبراهيم الذي تحدّث في الجلسة الأولى تحت عنوان "قراءة معمّقة للتطورات السياسية في لبنان والمنطقة وتأثيرها في السلم الأهلي"، حيث أكد أن "لبنان ليس ضعيفًا في المفاوضات مع العدو الإسرائيلي، بل يملك الكثير من أوراق القوة".
واعتبر أن "لبنان يمرّ اليوم بمرحلة ضغوط غير مسبوقة وأن العوامل الخارجية هي العامل الحاسم الذي ينعكس على وضعنا الداخلي، والتغيير يبدأ من تحت لا من فوق"، مذكرًا أن "الدولة هي المسؤولة عن الدفاع عن الوطن على المستويات الأمنية والسياسيّة والاقتصادية والثقافية كافة، أما في لبنان فالدولة هي الأضعف".
وشدد على أن "الحلّ يبدأ من بناء المواطن وتربيته على الولاء للوطن لأن فكرة بناء الدولة موجودة عند الجميع، والحلّ في المواطنة لأن فكرة العيش المشترك مرض، وليست حلًا والمشكلة في الحوارات المُعلبة".
و"الصورة هي نفسها ولكن اللاعبين قد تغيّروا، والتحديات هي نفسها، والتي تختصر كلها كيف يكون لنا وطن"، مضيفا "كان التقاتل الأول بين اللبنانيين في العام 1838، ولننظر الآن كيف كانت أشكال تعاطي الأجنبي معنا. واجه إبراهيم باشا الاحتلال فسلّح أهل الجبل ووزع السلاح على الدروز، لكنه حاربهم فيما بعد، وفي العام 1839 تمرّد أهل جبل عامل فخاف الأمير بشير من انضمام المسيحيين إلى التمرد، فكان أن جرّد المسيحيين من السلاح فحصلت عاميّة إنطلياس. لذا من الضروري الإضاءة على التاريخ والاستفادة من التجارب، وكأن ما دُفع سابقا لا قيمة له. أما القانون الإنتخابي الحالي فهو الوصفة السحرية للانقسامات وتكريس مبدأ الصراع لا المنافسة، فلا تضامن من ضمن اللائحة الواحدة إلا بالصورة التي تجمع المرشحين. إن القانون الحالي هو الطريق الصحيح لهذا الانغلاق".
وتطرّق إبراهيم إلى دور الاعلام الخطير، قائلا: "الاعلام سلاح خطير وهو سلاح سياسي دون ضوابط، فلكل حزب أو جهة شاشة وغالبا ما يشّد العصب للحفاظ على السلطة هنا تصبح الكلمة أخطر من الرصاص. والاعلام هو مؤسسة الوعي، ولست أتكلم عن رقابة على الاعلام، بل عن تطييفه وتمذهبه، فنحن في مركب واحد لمواجهة كلّ الأخطار، والدفاع يجب أن يكون عن الوطن، فسويسرا مثلا نجحت في توظيف التعدد لصالح شعبها، وكذلك إيرلندا الشمالية، وجنوب أفريقيا التي وصلت للتوافق عبر اتفاق حقيقي على فكرة المواطنة، أما نحن فقد أنتجنا دولة التعطيل وربطنا الشرعية بالتراضي وبمصالح الجماعات لا لمصلحة الوطن، وهنا المشكلة، هذه الموازين تبقى باستمرار نظرًا لارتباطها بقوى خارجيّة مما يفعّل الصراعات التي تظهر خلالها قوى صاعدة فيُصبح لبنان على خطر الفيالق".
وكان حوار بين الشباب واللواء إبراهيم، حيث سُئل عن مختلف المواضيع منها سؤال للأب جميل إسكندر(التعرّف إلى الوطن وتجربته بالنبطية)، وللدكتور بسّام الهاشم (التوّقف عن مصادرة الطوائف). كما سألت ليليان حمزة عن (اللامركزية الإدارية)، وعن الاستراتيجية الطائفية(جوزيف كرم)، وعن المواطنة(ماجد جابر) وعن مجلس النوّاب(دال حتي)، والفلتان الاعلامي (السفير منصور عبدالله)، عن إسكوبار لبنان (العميد توفيق سليم)، وعن التحديات الخارجية والداخلية وأيهما يغلب الآخر(سلوى فاضل). وجاءت إجابات ابراهيم على استفسارات المُشاركين مُلّخصة بالدعوة إلى الحوار وضرورة المُصالحة، والتغيير في المناهج وليس التغيير من أعلى، ورَفْض الحوار من أجل الحوار فقط.
وعن دور وسائل الإعلام في تحصين السلم الأهلي، تناولت الإعلامية سمر أبو خليل بالتفصيل مشاكل ومعوقات الاعلام في لبنان، وقدمها الصحافي والباحث الدكتور قاسم قصير، فقالت: "إن ما قام به قائد الجيش طبيعي"، ورفضت عمليات الشتم والسب تحت عنوان حرية التعبير، و"الملفت أنه في بلدنا لا غالب ولا مغلوب، فالعملية تعود إلى عملية ستة وستة مكرر"، لافتة إلى أن "المحطات جميعها مملوكة من رجال أعمال، فتميل مع مصالح رجال الاعمال، وبكل ثقة أقول إن أخطر المحطات هي المملوكة من رجال الاعمال، وهذا يردنا إلى دور الاعلام في السلم الأهلي. المال يحدد مصلحة الوطن وأهون شيء في الاعلام هو البيع (من الجسد إلى الضمير إلى الكلمة) ونحن نريد أن نكون مواطنين في وطن لا مواطنين في مزارع، لنبدأ من الذروة أي اسقاط لغة التحدي، والاعلام صورة، ومسؤولية الدولة هي تحصين السلم الأهلي وليس هذا من مسؤولية الاعلام. فلا مصالحات حقيقية تمت، ولم نختم جروحنا بعد، والاعلام الالكتروني أخطر من الاعلام الكلاسيكي، وخاصة الاعلام تجاه العدوان الإسرائيلي".
وختمت أبو خليل: "لا حلّ بالاعلام إلا بوضع استراتيجية وطنية".
وجاء الحوار بين أبو خليل والحضور فاعلًا، حيث سئلت عن نصائح للشباب، متمنيّة أن "يتربى اللبناني على القيم، فنحن كلبنانيين نحتاج لاعادة تأهيل وعلى الأهل ألا يتهاونوا بمسألة وسائل التواصل الاجتماعي. وأن نكف عن بث الشائعات وأن لا نكب الزيت على النار، وأن نُعيد النظر بالمصطلحات كـ"إرهاب/مقاومة، وفساد /لا فساد".
تلا ذلك مناقشة بين الحضور والقس جرجور الذي اعتبر أن "القانون الانتخابي السبيل لتحصين السلم الأهلي"، وتحدث عن الجهات الحزبية التي لم تصن السلم الأهلي، وأهمية وعيّ القاعدة الشعبية لتحصينه، وعن أهمية اللامركزية الإدارية، والحوار الأهلي الثقافي والاجتماعي، لا طاولة الحوار السياسي التي ليس لنا علاقة بها، مع اقتراح وزارة للحوار الوطني".
وتناول جرجور تجربة الحوار الوطني في سويسرا منذ العام 2000 حتى العام 2006 حيث توقفت الجلسات التي كانت مثمرة جدا بُعيد عملية الأسر التي قامت بها المقاومة الإسلاميّة دون استشارة القوى الأخرى.
وقدّم السفير السابق منصور عبدالله الناشط في إطار حركة السلام الدائم ورئيس حزب الخضر فادي أبي علام ، الذي قال: "اقترح اسم السلام الوطني لا السلام الأهلي، والسلام هو حالة طمأنينة بعيدة عن الخوف، أن تعيش مكتفيا غير محتاج لشيء وأن تعيش بسعادة. ولكن للأسف نحن نعيش بتعاسة، وللاقتراب من المفهوم، وهي شائعة من نقاط الضعف لم نستطع العيش بسلام لأننا لم نغيّر نظامنا التعليمي".
أضاف: "السؤال ما هي الوسائل السلمية للعيش غير الحوار، فالحوار عندما لا ينفع، هناك امكانية للجوء الى العنف عندما تستنفد كافة الوسائل السلمية. القوة موجودة في الوسائل السلمية ولحظة اللجوء للعنف هي اشهار للافلاس الاخلاقي والانساني والحقوقي، العنف ليس قوة ولا مؤشر للقوة بل ضعف. وكان صن تزو (Sun Tzu) قد ألّف كتابه "فن الحرب"(The Art of War) 400 قبل الميلاد، يقول فيه من "العظيم أن تربح كل حرب تدخلها ولكن من الأعظم ألا تدخل أي حرب". والمهم اننا نحتاج للثقة لأن الطبيعة البشرية لا تعترف بحقيقة ما نريد، ففي كل مكان نقول ما يناسب المكان. والعنف هو فعل أذية وهو درجات كالاهمال والتطنيش والاستغلال والحرمان. وإذا لم أصغ إليك فهذ اعتداء".
وشدد على أنه "في البدء كانت الكلمة، والكلمة حوار، ولا للحرب، ولماذا نريد الاستعانة بالقطري والفرنسي والأميركي للوساطة؟ أهم شيء أن نقيم ثقافة السلام، وأن يكون مجتمعنا، خاليا من العنف، لماذا ما زال إلى اليوم عندنا وزارة مهجرين رغم توقف الحرب منذ العام 1990؟ ولماذا ما زال لدينا جرحى ومعوقون ومصابون، هناك 75 ألف مصاب و200 ألف مفقود، لماذا ما زال هناك خيمة أمام الأسكوا للمفقودين؟ 89% من ضحايا السلاح ليس بالحروب، والمعاهد الدولية تتحدث عن اتفاقيات لحظر السلاح، وعن حظر الاقتناء وحظر الشراء وحظر التخزين واتفاقيات عدم الانتشار. وأقول التنمية تساوي السلام. وقوة أميركا قائمة على ثلاث: الدبلوماسية والقوة الاقتصادية والسلاح. وأي واحد منا تواضع فهو قادر على أن يبني السلام".
ورداى على سؤال، قال أبي علام: "الحاجة إلى العقلاء، قاتلتُ مع الجيش ونحن بحاجة إلى سلام، والنظام التعليمي في لبنان غير مناسب لما بعد الحرب، ويجب التحقيق بمواد الأنظمة لأن الانسان يقتل وليس الدين، يجب أن يكون اللبناني مسؤولا، فالسلام والخير لم يزالا طاغيين".
وتابعت الورشة عملها في اليوم التالي بمشاركة ميشال دكاش Political leadership coach تلاها جلسة ختامية وتوصيات.
______________ متابعة. === عايدة حسيني