نظمت شبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية (ANND)، ومبادرة الإصلاح العربية (ARI)، ومركز الحفاظ على الطبيعة بالجامعة الأمريكية في بيروت (AUB-NCC)، وLEWAP، ومعهد عصام فارس (IFI)، مؤتمراً بعنوان "إعادة بناء العدالة المائية في لبنان: الحوكمة والمساءلة ومستقبل المياه".
يواجه قطاع المياه في لبنان ضغوطًا متعددة ومترابطة تهدد بصورة متزايدة سبل عيش السكان وصحتهم ورفاههم. فقد أسهمت تداعيات تغيّر المناخ على الموارد المائية، والإخفاقات المزمنة في الحوكمة وتقديم الخدمات العامة وما تولّده من تفاوتات وعدم مساواة، إلى جانب الدمار الناجم عن الحرب الإسرائيلية واستخدام المياه أداةً للصراع منذ عام 2023 وحتى اليوم، في نشوء ما يمكن وصفه بأزمة مركّبة ومتعددة الأبعاد.
إن فهم هذا الواقع يقتضي تجاوز المقاربات التقنية الضيقة لإدارة المياه، واعتماد منظور العدالة المائية، بما يتيح تحليل كيفية تأثير علاقات السلطة، وأوجه عدم المساواة، وآليات المساءلة، في إنتاج الهشاشة وفي رسم مسارات التعافي داخل القطاع.
وتتجلى في لبنان بوضوح آثار الانهيار المالي، والضغوط البيئية الناتجة من سوء إدارة الموارد والتلوث وتغيّر المناخ، ولا سيما التداعيات المترتبة على الاعتداءات الإسرائيلية، بما في ذلك تدمير البنى التحتية المائية والزراعية ونزوح السكان الواسع.
«المياه ليست مجرد مورد ينبغي إدارته، بل منفعة عامة وحق أساسي من حقوق الإنسان يجب أن تكون العدالة الاجتماعية في صلب حوكمته.»
وانطلاقًا من ذلك، نظمت خلال المؤتمر ثلاث جلسات متكاملة تتمحور حول مبادئ العدالة المائية. وبدلًا من التعامل مع المياه بوصفها مجرد مورد ينبغي إدارته، انطلق المؤتمر من اعتبارها منفعة عامة وحقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، ويضع العدالة الاجتماعية في صلب النقاش.
من يحصل على مياه آمنة وميسورة الكلفة؟ ومن يُحرم منها؟ ومن يتحمل أعباء إخفاقات الحوكمة والحرب وتغيّر المناخ؟ وكيف يمكن للبنان إعادة بناء منظومات مائية أكثر عدلًا من الناحية الاجتماعية، وأكثر خضوعًا للمساءلة العامة، وأكثر استدامة من الناحية البيئية؟
الجلسة الأولى: حوكمة المياه في لبنان – أزمة تتجاوز الندرة
بحثت هذه الجلسة في واقع حوكمة المياه في لبنان، وتؤسس لفهم الأزمة المائية من منظور الحوكمة والعدالة المائية. فبدلًا من اختزال انعدام الأمن المائي في الندرة الطبيعية، ناقشت الجلسة الكيفية التي أسهمت بها التجزئة المؤسسية، وضعف الخدمات العامة، وقصور الأطر التنظيمية، وعدم المساواة في الوصول إلى المياه، والتلوث، واستنزاف المياه الجوفية، وسوء إدارة مياه الصرف الصحي، وضعف المساءلة العامة، في تشكيل واقع القطاع.
وبدأت الجلسة بمراجعة الاستراتيجية الوطنية للمياه في لبنان، وتقييم مدى استجابتها للتحديات البنيوية التي يواجهها القطاع، أو استمرارها في إعطاء الأولوية لمشاريع البنية التحتية واسترداد الكلفة والإصلاحات التي تقودها الجهات المانحة، من دون معالجة كافية لقضايا العدالة والمشاركة والحق في المياه.
كما تناولت الجلسة تطور الأطر القانونية والمؤسساتية لحوكمة المياه في لبنان، ودور التشريعات الرسمية والممارسات العرفية ومؤسسات الدولة والبلديات والجهات الدولية والفاعلين غير الحكوميين في تشكيل منظومة الحوكمة القائمة.
وبحثت الجلسة أيضًا في انعكاس إخفاقات الحوكمة على الحياة اليومية، ولا سيما في ظل الاعتماد المتزايد على منظومة هجينة تجمع بين خدمات القطاع العام والقطاع الخاص والأسواق غير الرسمية. وناقشت آثار هذه المنظومة على القدرة على تحمّل الكلفة، والتفاوت في الوصول إلى المياه، والإعمال الفعلي للحق فيها.
ومن خلال الجمع بين المقاربات القانونية والسياساتية والاقتصاد السياسي والخبرات المجتمعية، تعاملت الجلسة مع المياه ليس بوصفها مجرد مورد ينبغي إدارته، بل باعتبارها منفعة عامة وحقًا أساسيًا يرتبط بالكرامة الإنسانية والصحة العامة والاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية.
المتحدثون:
حبيب معلوف، صحفي بيئي ومنسق مجموعة عمل العدالة المناخية في شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية. الدكتور جورج غاريوس، مستشار في شؤون المياه لدى منظمة اليونسكو. جول حاتم، أخصائي مياه وصرف صحي ومستشار في مبادرة الإصلاح العربي. الدكتور إلياس كنّاب، أخصائي في الطاقة المتجددة، أوكسفام.
ميسّرة الجلسة: الدكتورة مايا نعمة، المديرة التنفيذية لمبادرة التحريج في لبنان.
الجلسة الثانية: المياه تحت النار – التدمير والتهجير وتقويض شروط الحياة
تناولت هذه الجلسة الكيفية التي أدّى بها العدوان الإسرائيلي منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، مرورًا بالتصعيد الواسع خلال عام 2024، وصولًا إلى الحرب الشاملة المتجددة منذ آذار/مارس 2026، إلى تحويل أزمة حوكمة مزمنة في قطاع المياه إلى حالة طوارئ إنسانية وبيئية وتنموية حادة.
كما تناولت كيفية تحوّل المياه ومنشآتها من مرفق مدني أساسي إلى هدف مباشر وأداة للضغط على السكان وتقويض قدرتهم على البقاء والصمود.
وركزت الجلسة على أوضاع الجنوب والبقاع، مع اعتماد حوض نهر الليطاني إطارًا رابطًا بين المناطق والقضايا المختلفة، من سد القرعون والتلوث المزمن في الحوض الأعلى، إلى قنوات الري في القاسمية والأراضي الزراعية والقرى الحدودية المتضررة من الحرب.
واستعرضت الجلسة المعطيات المتعلقة باستهداف محطات الضخ والخزانات وشبكات التوزيع والآبار ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، إلى جانب مقتل عاملين في قطاع المياه، وتدمير منشآت الري التي تخدم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتلوث التربة والمياه المرتبط باستخدام الفوسفور الأبيض وعمليات الرش الجوي.
كما بحثت في أثر تدمير الجسور وطرق العبور فوق نهر الليطاني في تعطيل حركة السكان والخدمات، وفي تعميق عزلة مناطق الجنوب عن بقية البلاد.
وطرحت الجلسة سؤالًا مركزيًا حول ما يعنيه فقدان المياه بالنسبة إلى المزارعين والعاملين في الزراعة والأسر النازحة والمجتمعات المحلية في الجنوب والبقاع. فلا يعني تدمير المنظومات المائية فقدان مورد حيوي فحسب، بل فقدان سبل العيش والقدرة على البقاء في الأرض وإمكان العودة وإعادة بناء الحياة بعد النزوح.
كما فتحت الجلسة النقاش حول مسؤولية الدولة اللبنانية والمؤسسات الدولية وشركاء التنمية في توثيق الأضرار، ودعم المتضررين، وضمان المساءلة، وربط إعادة التأهيل وإعادة الإعمار بمبادئ العدالة البيئية والتعويض وحماية المدنيين والحق في العودة.
المتحدثون:
يحيى ضاهر، رئيس سابق لاتحاد البلديات. سعدى علوه، رئيسة قسم الصحافة في «المفكرة القانونية» ومؤلفة كتاب «الليطاني: قتل النهر وأهله» بالتعاون مع جريدة «السفير». أحمد جمال، مهندس وممثل «الجنوبيون الخضر».
ميسّرة الجلسة: الدكتورة رُبى زيادة، باحثة مشاركة في المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر.
الجلسة الثالثة: نحو مستقبل مائي أكثر عدلًا – مقاربات جديدة للتعافي وإعادة الإعمار
فتحت هذه الجلسة مجالًا لمناقشة المبادئ والمقاربات والتقنيات وممارسات الحوكمة القادرة على إعادة وصل إدارة المياه بالتخطيط الحضري والزراعة والأمن الغذائي وحماية البيئة والعدالة الاجتماعية. كما سعت إلى بلورة ملامح مستقبل مائي أكثر عدلًا وقدرة على التكيف والصمود في لبنان.
ومن خلال الجمع بين الممارسين والباحثين والبلديات والمزارعين وشركاء التنمية، ناقشت الجلسة كيف يمكن لإعادة بناء المنظومات المائية أن تتجاوز مجرد ترميم البنى التحتية المتضررة، وأن تنطلق من مقاربات جديدة تربط حوكمة المياه بالتخطيط الحضري والزراعة والتكيف مع تغيّر المناخ واستعادة النظم البيئية والعدالة الاجتماعية.
وسلّطت الجلسة الضوء على دور الحلول القائمة على الطبيعة، والبنية التحتية الخضراء والزرقاء، والتخطيط المتكامل للأراضي والمناطق، في تعزيز الأمن المائي والحد من المخاطر البيئية والمناخية.
كما تناولت الروابط بين حوكمة المياه والزراعة، ولا سيما كيفية إسهام الزراعة الإيكولوجية والسيادة على البذور وحماية التربة والنظم الغذائية المحلية في ترشيد استخدام المياه، وتعزيز القدرة على الصمود، ودعم سبل العيش في المناطق الريفية.
وتناولت الجلسة كذلك دور المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين في دعم هذا التحول. وفي هذا السياق، ناقش المشاركون كيف يمكن للدعم الدولي أن يتجاوز تمويل المشاريع والبنى التحتية، ليسهم في تعزيز المؤسسات العامة، وترسيخ المساءلة، وبناء القدرات المحلية، وتوسيع المشاركة، ودعم الإنصاف والاستدامة على المدى الطويل.
واختتمت الجلسة بمناقشة كيفية الاستفادة من هذه المقاربات في تطوير استراتيجية وطنية متجددة للمياه، بالتوازي مع دعم بدائل محلية تستجيب لاختلاف الاحتياجات والسياقات. وينبغي أن تضع هذه الاستراتيجية العدالة المائية، والقدرة على التكيف مع تغيّر المناخ، وحماية البيئة، والتنسيق بين القطاعات، في صلب مستقبل المياه في لبنان.
المتحدثون:
الدكتور ياسر أبو نصر، مدير مركز الحفاظ على الطبيعة في الجامعة الأميركية في بيروت. سيرج حرفوش، خبير في الزراعة الإيكولوجية والسيادة على البذور والنظم الغذائية المستدامة، وأحد مؤسسي مبادرة «بذورنا جذورنا». رولا مجدلاني، خبيرة في سياسات التنمية المستدامة وحوكمة الموارد الطبيعية والتعاون الإقليمي. الدكتور فرج الأعور، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة الأعور للمياه. الدكتور نديم فرج الله، مسؤول أول لشؤون الاستدامة في الجامعة اللبنانية الأميركية.
ميسّرة الجلسة: رؤى الفارس، مخططة مدن ومنسقة مشروع في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية.