الرَّاعِي يُطْلِقُ صَرْخَةَ إِنْقَاذٍ وَطَنِيّ

الرَّاعِي يُطْلِقُ صَرْخَةَ إِنْقَاذٍ وَطَنِيّ

مِن سَيِّدَةِ لُبْنَان: الرَّاعِي


لُبْنَانُ لَنْ يَسْقُطَ مَا دَامَ الإِيمَانُ حَيًّا

في الأحد الأوّل من شهر أيّار 2026، عيد سيدة لبنان، ومن على مذبح بازيليك سيدة لبنان في حريصا، حيث يلتقي التاريخ بالإيمان، والتقليد بالرجاء، ترأس صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي القداس الإلهي، وفق التقليد السنوي الذي يعود إلى تأسيس هذا المزار، حيث يفتتح البطريرك الماروني الشهر المريمي بالصلاة والبركة. عاونه المطران الياس نصار النائب البطريركي، والمطران بولس صياح النائب البطريركي السابق، وشارك في الخدمة رئيس المزار الأب خليل علوان، والأب فادي تابت أمين السر العام للبطريركية، والأب كميليو مخايل أمين السر الخاص، والآباء يونان عبيد، حبيب كلاكس، اسعد الباسدشا، وفادي المير بحضور وزير الاعلام بول مرقص، وحشد من المؤمنين الذين تقاطروا إلى هذا الموضع المقدس، كما تابع آخرون الاحتفال عبر وسائل الإعلام.

في مستهل القداس، توجّه الأب خليل علوان بكلمة ترحيبية استعاد فيها الذاكرة التأسيسية لهذا الصرح، مذكّرًا بأن البطريرك المكرّم مار الياس بطرس الحويك قد كرّسه في الثالث من أيار 1908، في احتفال مهيب جمع رجال الدولة والمؤمنين، ومنذ ذلك الحين غدا الأحد الأول من شهر أيار عيدًا لسيدة لبنان، تقليدًا ثابتًا "كالأرز"، لم تنل منه عواصف الزمن ولا مرارة الحروب. وأكد أن ترؤس البطريرك الراعي لهذه الذبيحة الإلهية بعد أكثر من قرن ليس مجرد إحياء لذكرى، بل تجديد لعهد الوفاء لمريم، التي بشفاعتها بسط الله جناح حمايته على لبنان، داعيًا إلى الصلاة لكي تجمع شمل القلوب وتزرع في النفوس روح التلاقي والمحبة.

بعد إعلان الإنجيل المقدس، ارتفعت عظة البطريرك الراعي، لا ككلمة عابرة، بل كمسار لاهوتي متكامل، بدأ من نشيد مريم، وامتدّ إلى عمق الواقع اللبناني، ليعود في النهاية إلى أفق الرجاء. انطلق غبطته من قول العذراء: "ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال، لأن القدير صنع بي عظائم" (لو 1: 48–49)، معتبرًا أن هذا النشيد ليس ذكرى من الماضي، بل إعلان حيّ عن قدرة النعمة الإلهية التي تغيّر مسار الإنسان والتاريخ. فمريم، في نظره، لم تسعَ إلى المجد، بل عاشت في الخفاء، فجعلها الله في قلب الخلاص. لم تمجّد ذاتها، بل مجّدت الله فيها، فصارت مثالًا لكل إنسان يختبر أن الله قادر أن يبدّل الواقع مهما بدا صعبًا ومعقّدًا.

ومن هذا المنطلق، دعا البطريرك المؤمنين إلى الدخول في هذا السرّ، مؤكدًا أن شهر أيار هو شهر مريم، شهر الأم، شهر الرجاء، حيث يلتقي الإنسان بالله من خلال أمّه، فيجد ملجأه وسلامه. كما وجّه تحية تقدير إلى الآباء المرسلين اللبنانيين الذين يخدمون هذا المزار منذ أكثر من قرن، واصفًا إياهم بحراس هذا النور وحملة هذه الرسالة.

ثم توقف غبطته عند خمس عظائم صنعها الله في مريم، عارضًا إياها لا كعقائد جامدة، بل كمسار خلاص حيّ: فالعظمة الأولى هي الحبل بها بلا دنس، حيث ظهرت مريم منذ البدء إنسانًا مهيّأ بالكامل لمشروع الله، منفتحًا على نعمته دون عائق. والعظمة الثانية هي أمومتها الإلهية، إذ صارت الجسر بين السماء والأرض، حاملة في أحشائها من لا تسعه السماوات. أما العظمة الثالثة فهي مشاركتها في آلام ابنها حتى الصليب، حيث لم تكن متفرجة، بل أمًا شريكة في الفداء، حاملة الألم كذبيحة حب. والعظمة الرابعة انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد، إعلانًا أن الموت ليس النهاية، وأن الحياة مع الله لا تنتهي. وأخيرًا العظمة الخامسة أمومتها للكنيسة، حيث صارت أمًا لكل مؤمن، ترافق الكنيسة وتشفع فيها.

وهنا، لم تبقَ هذه العظائم في إطارها اللاهوتي، بل اتخذت بُعدًا حيًا في مزار سيدة لبنان، حيث تصبح مريم أمًا قريبة من هذا الوطن، حاضرة في تاريخه، وفي رجائه. ومن هذا العمق، انتقل البطريرك إلى الواقع اللبناني، فكانت كلمته صريحة، واقعية، لكنها مشبعة برجاء لا ينطفئ.

تحدث عن وطن يعيش بين القلق والانتظار، بين حرب مفروضة ومرفوضة، وهدم وتهجير وقتل، في حالة معلّقة تستنزف الإنسان والدولة معًا. وأشار إلى أن الأخطر من كل ذلك هو ما يحدث في الداخل: انقسامات، توترات، حساسية مفرطة، حتى بات اللبناني عاجزًا عن تحمّل أخيه، وباتت كلمة واحدة كفيلة بأن تكسر ما تبقى من ثقة. ولم يغفل عن التوقف عند ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن ما نشهده ليس حرية رأي، بل انحدار في اللغة والقيم، واستباحة للكرامات، مؤكدًا أن لبنان أكبر من مهاترات عابرة، وأن ما يُبنى على المحبة لا تهدمه أصوات التجريح، وما يتأسس على الكرامة يبقى، أما ما يُبنى على الباطل فسرعان ما يتداعى.

لكن هذا التشخيص لم يكن خاتمة، بل كان معبرًا نحو الرجاء. إذ عاد البطريرك إلى مريم، وطرح السؤال الإيماني: إذا كان الله قد صنع العظائم فيها، أفلا يستطيع أن يصنعها في لبنان؟ وهنا ارتفعت العظة إلى أفق لاهوتي عميق، حيث التاريخ ليس مسارًا أعمى، بل طريق تقوده العناية الإلهية. فذكّر بتاريخ لبنان، بتاريخ سقوطه وقيامته، بمرات بدا فيها على شفير الهاوية، ثم عاد فنهض، لأن يد الله لم تتركه يومًا.

وفي ذروة كلمته، تحوّلت العظة إلى صلاة، إلى صرخة قلب جماعية: "كفانا قلقًا… كفانا حيرة… كفانا انتظارًا بلا نهاية"، نداء موجّه إلى مريم، أم هذا الوطن، لكي تكون في قلب هذا الليل الطويل، في قراراته، في مستقبله، في حياة أبنائه. صلاة تعبّر عن ألم، لكنها أيضًا تعلن إيمانًا، لأن من يصلّي لا يزال يؤمن، ومن يؤمن لا يسقط في اليأس.

وختم البطريرك الراعي بدعاء عميق، طالبًا شفاعة سيدة لبنان لحماية الوطن وتثبيت أبنائه وإنارة طريقه، مؤكدًا أن اللبنانيين، رغم كل شيء، لا يزالون يؤمنون، ويرجون، وينتظرون فجرًا جديدًا، فجرًا يولد من صبرهم وتعبهم وإيمانهم بأن الله، الذي صنع العظائم، لا يزال قادرًا أن يصنعها من جديد في هذا الوطن.

واختُتم القداس بزياح مهيب لأيقونة العذراء مريم، في مشهد إيماني جامع.