كلية التربية في جامعة طرابلس نظّمت مؤتمرها الدولي: جودة التعليم في ظل الحروب والأزمات

بعون الله وتوفيقه، نظّمت كلية التربية في جامعة طرابلس، بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية في القاهرة، و المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة و منتدى الأكاديميين الدولي لقضايا القدس وبمؤازرة Azm and Saade Association جمعية العزم و السعادة الاجتماعية ، المؤتمر الدولي بعنوان. جودة التعليم في ظل الحروب والأزمات، وذلك يومي السبت والأحد في 9 و10 أيار 2026، بمشاركة نخبة واسعة من العلماء والأكاديميين والباحثين والخبراء التربويين من لبنان وفلسطين ومصر والسودان والكويت والعراق وتونس وفرنسا وليبيا والصومال والسعودية وغيرها من الدول العربية والأجنبية. وقد انعقد المؤتمر على مدى يومين، واشتمل على جلسة افتتاحية، وجلسات علمية متتابعة ومتزامنة، إضافة إلى جلسة خاصة لمناقشة مخرجات المؤتمر وتوصياته.
وشهدت جلسة الافتتاح حضورًا رسميًا وأكاديميًا وتربويًا لافتًا، تمثل بمفتى طرابلس والشمال الشيخ الدكتور محمد إمام ممثّلًا بالدكتور بلال بركة عضو المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، ومفتى البقاع الدكتور علي الغزاوي ممثلًا بالدكتور نادر جمعة، والوزير سمير الجسر، والوزير أشرف ريفي ممثّلًا بالأستاذ محمد كمال زيادة، والوزير فيصل كرامي ممثّلًا بالأستاذ ماهر شعراني، والنائب الدكتور طه ناجي، والنائب الدكتور بلال الحشيمي، وسعادة اللواء محمد الخير، ورئيس بلدية طرابلس الأستاذ عبد الحميد كريمة ممثّلًا بالدكتور باسم عساف، وعميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية الدكتورة سهى الصمد، وممثّل الجماعة الإسلامية الأستاذ إيهاب نافع، ومدير كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية – الفرع الثالث الدكتور محمود عثمان ومدير مصرف لبنان في طرابلس الدكتور صفوان ضناوي، ورئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء في وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان الدكتور هيام اسحاق، فضلًا عن عمداء الكليات والأساتذة والباحثين والمهتمين بالشأن التربوي.
استُهلّ المؤتمر بتلاوة من القرآن الكريم للشيخ محمد طالب، ثم النشيد الوطني ونشيد جامعة طرابلس، وتلاه تقديم من عريف الجلسة الافتتاحية أمين سر الجامعة الأستاذ محمد حندوش ثم بدأت الكلمات الرسمية.
حيث تحدث رئيس جامعة طرابلس الأستاذ الدكتور رأفت محمد رشيد الميقاتي، وفي كلمته رحّب بالحضور والمشاركين والباحثين، مؤكدًا أن انعقاد هذا المؤتمر في هذه المرحلة الدقيقة ليس حدثًا أكاديميًا عابرًا، بل موقف علمي وتربوي ورسالي في مواجهة ما يعيشه لبنان والمنطقة من اضطرابات وحروب وأزمات. ولفت إلى أن المؤتمر ينعقد في رحاب جامعة طرابلس تحت عنوان جودة التعليم في ظل الحروب والأزمات، بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والتربويين من أكثر من خمسة عشر بلدًا.
وشدّد الميقاتي على أن هذا المؤتمر يمثّل إنجازًا نوعيًا يتحقق بفضل الله ثم بهمّة القائمين عليه، على الرغم من الظروف القاهرة العصيبة والزلازل الأمنية والسياسية والعسكرية التي تجتاح لبنان والمنطقة العربية وتلقي بظلالها على العالم كله. ورأى أن قيمة المؤتمر لا تكمن في جمع الباحثين وتبادل الأوراق العلمية فحسب، بل في إصرار الجامعة على تحويل المعرفة إلى مسؤولية، والبحث العلمي إلى فعل إنقاذ، والتوصيات الأكاديمية إلى مخرجات قابلة لأن توضع في عهدة الجهات المعنية رسميًا وأهليًا.
وربط رئيس الجامعة هذا المؤتمر بسلسلة المؤتمرات التربوية النوعية التي أطلقها مؤسس الجامعة سماحة العالم الرباني المحامي الشيخ محمد رشيد الميقاتي رحمه الله منذ عام 1991، مؤكدًا أن جامعة طرابلس دأبت على إشراك المؤسسات والشخصيات التربوية في معالجة القضايا الساخنة، لا بروح الارتجال، ولا بمنطق العزلة والانكفاء، بل بروح علمية إيجابية تسعى إلى تشخيص الواقع واقتراح الحلول ومتابعة تنفيذ المخرجات والتوصيات.
وفي مقاربة عميقة لمعنى الجودة في زمن الأزمات، أكد الميقاتي أن جوهر التعليم في ظل الحروب لا يقتصر على استمرارية الدرس أو بقاء الصفوف مفتوحة، بل يتصل بعودة الإنسان إلى قيمه الكبرى، وبإعادة أنوار الوحي إلى ساحات التربية ومناهجها ومناشطها في البيوت والمدارس والجامعات. واعتبر أن الأزمات الكبرى تكشف هشاشة المنظومات التربوية إذا انفصلت عن رسالتها الإيمانية والقيمية، مشددًا على أن علاج الاحتراق النفسي والشلل الروحي والاكتئاب التعليمي لا يكون إلا بتربية تصنع الأمل وتمنح الإنسان القدرة على العبور من الكارثة إلى النهوض.
وتوقف رئيس الجامعة عند مفهوم الصمود النفسي، معتبرًا أن الإيمان هو القوة التي تجعل الإداري والمدرس والطالب قادرين على تحويل الهمّ والغمّ إلى طاقة مولّدة للأمل، ومؤكدًا أن جودة التعليم في ظل الحروب والأزمات يجب أن تعزّز المناعة الإيمانية لدى الأبناء في زمن كثرت فيه الخيارات المضللة والمشاريع المتصارعة. وفي هذا السياق قال إن الجامعة لا تقبل أن يُخيَّر الأبناء بين مناهج تجاوزها الزمن ومناهج يراد تلويثها بأفكار مستوردة ومسمومة، بل تختار التعليم الذي يعانق التربية ويصون الهوية الثقافية والحضارية، مشددًا على أنه لا تعليم دون تربية ولا جودة دون إيمان.
وختم الميقاتي كلمته بتوجيه الشكر إلى اللجنة التنظيمية للمؤتمر، وإلى رئيس المؤتمر وعميد كلية التربية في جامعة طرابلس الأستاذ الدكتور علي احمد الجمل ، وإلى الجهات الراعية والداعمة والباحثين والمشاركين، متمنيًا لهم التوفيق والسداد، ومعلنًا افتتاح المؤتمر باسم الله، على أمل أن تكون أعماله العلمية مدخلًا إلى رؤية تربوية جديدة تجعل جودة التعليم ركيزة للصمود، وحماية الإنسان، وصون الهوية، وبناء المستقبل.
أما كلمة الأمين العام للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح، التي ألقاها ممثله الدكتور مصطفى الشيمي، فشدّدت على أن التعليم ليس مجرد حق أساسي من حقوق الإنسان، بل هو حجر الأساس في بناء المجتمعات وصناعة المستقبل. واعتبرت الكلمة أن الأزمات لا ينبغي أن تكون مبررًا لتعطيل التعليم، بل دافعًا لإعادة ابتكاره وتطويره، مؤكدة أهمية دعم التعليم في مناطق النزاعات والكوارث عبر إنشاء المدارس، وتدريب المعلمين، وتوفير المواد التعليمية، وتبني مبادرات التعليم عن بعد، فضلًا عن تعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وفي كلمة ممثل منتدى الأكاديميين الدولي لقضايا القدس الأستاذ محمد الحاج، جرى التأكيد على أن انعقاد هذا المؤتمر في هذه المرحلة الدقيقة ليس حدثًا علميًا عابرًا، بل موقف معرفي وأخلاقي في زمن تتسع فيه آثار الحروب والنزاعات على الإنسان والمجتمع، وفي مقدمتها أثرها العميق في التعليم في فلسطين عامة وغزة خاصة. كما ثمّن الحاج مبادرة جامعة طرابلس في إعفاء الباحثين من غزة من رسوم الاشتراك في المؤتمر، وكفالة عدد من طلاب غزة وفلسطين، معتبرًا ذلك فعلًا أخويًا نبيلًا يمنح الطلبة الأمل والثقة بوجود من يؤمن بأحلامهم وحقهم في التعليم.
وفي كلمة جمعية العزم والسعادة الاجتماعية، أكد الأستاذ ماهر ضناوي أن الحديث عن جودة التعليم في ظل الحروب والأزمات لم يعد نقاشًا نظريًا، بل صار تحديًا يوميًا يفرض نفسه على السياسات والأنظمة التربوية. ولفت إلى أن الجودة في زمن الأزمات لا تعني فقط استمرار العملية التعليمية، بل تعني قدرتها على الصمود والتكيف، وضمان بيئة تعليمية آمنة وشاملة، والحفاظ على مستوى فعلي من التعلم رغم النزوح وانقطاع الموارد والضغوط النفسية والاجتماعية. كما شدد على أهمية التحول الرقمي بوصفه رافعة أساسية لدعم الجودة، شرط ضمان الجودة الرقمية من حيث كفاءة المنصات وموثوقية المحتوى وعدالة الوصول.
وتحدث المدير العام لوزارة الثقافة الدكتور علي الصمد، فاعتبر أن انعقاد المؤتمر في ظل الظروف الاستثنائية التي يشهدها لبنان وغزة والضفة الغربية وعدد من الدول العربية يعكس وعي جامعة طرابلس بضرورة التصدي لأكبر التحديات التي تواجه القطاع التربوي. ورأى أن جودة التعليم في زمن الحروب لا ينبغي أن تُختزل في استمرار التعليم كعملية إدارية، بل يجب أن تغوص في عمق المحتوى والرسالة التربوية، وأن تحفظ الأجيال من اليأس والانزلاق نحو العنف. كما عرض أربع ركائز أساسية لجودة التعليم في الظروف الاستثنائية. المرونة في التعليم، والجودة كدعم نفسي وقيمي، وحماية الرأسمال البشري التعليمي، وصون القيم والهوية في مواجهة التحديات الثقافية والفكرية.
وعقب جلسة الافتتاح، انطلقت أعمال المؤتمر العلمية، حيث ناقشت الجلسة الأولى في اليوم الأول، برئاسة سعادة النائب الدكتور بلال الحشيمي، موضوع إدارة الجودة والتحول الرقمي كأدوات للصمود التربوي، وتناولت أبحاثها معوقات استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم، ودور إدارة التنوع في تعزيز التميز التنظيمي، وبناء بوصلة رقمية لصمود المناهج والكفايات، ومساهمات الذكاء الاصطناعي في تجويد التعليم في سياقات الأزمات، إلى جانب تقويم بيئات Moodle التعليمية وإدارة التغيير التربوي في زمن الأزمات.
أما الجلسة الثانية في اليوم الأول، فانعقدت برئاسة الأستاذ الدكتور خالد القيسي، وجاءت بعنوان بين الابتكار الرقمي والصمود النفسي. مقاربات تربوية متكاملة لجودة التعليم في ظل الأزمات. وقد ناقشت أوراقًا حول تعليم مهارات اللغة العربية في بيئات الأزمات من خلال نموذج مرن قائم على التعليم المصغر، واتجاهات تطوير المناهج في ظل الحروب، ومعايير تصميم البيئات الرقمية لطلبة المرحلة الأساسية في غزة، ومشاركة المعلم في إدارة الأزمات التربوية، والتحقق من صدق مؤشرات جودة التعليم عبر التحكيم البشري والاصطناعي، إضافة إلى الأبعاد التربوية والاقتصادية والاجتماعية للتعليم في زمن الحروب.
وتواصلت أعمال المؤتمر في اليوم الثاني بجلسات علمية متعددة، منها جلسة بعنوان واقع جودة التعليم في الوطن العربي في ظل الحروب والأزمات، برئاسة الأستاذ الدكتور خالد كمال الدين، حيث عُرضت بحوث تناولت تأهيل المعلمين في التعليم المهني الرسمي، وجغرافيا الأمراض في مناطق الصراعات وانعكاساتها على التعليم، والأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للحروب، وتحسين جودة الموارد البشرية التعليمية، وتجربة جامعة طرابلس في بناء منظومة تعليم إلكتروني عادلة وذات جودة في ظل الجائحة والحرب.
كما انعقدت جلسة متزامنة بعنوان مقاربات إبداعية لبناء مكونات منظومة تعليمية في ظل الحروب والأزمات، برئاسة الأستاذ الدكتور عبد الجواد حمام، وناقشت إعادة هندسة المنظومة التعليمية في زمن الأزمات، وسيناريوهات استدامة جودة التعليم، والتعليم في السودان في ظل طوارئ الحرب، وتجارب تأهيل معلمي اللاجئين، ودور الفنون الشعبية في بناء الهوية الثقافية للطفل، والذكاء التنظيمي كمدخل استراتيجي لإدارة التعليم في سياقات الأزمات.
وفي محور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، انعقدت جلسة بعنوان التكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي كمدخل لجودة التعليم في ظل الأزمات والحروب، برئاسة الدكتور محمود درنيقة، وتناولت جودة التعليم الفني في ظل الطوارئ، ودور الذكاء الاصطناعي التنظيمي في تعزيز المرونة المؤسسية في الجامعات الفلسطينية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير المكتبات الرقمية ودعم البحث العلمي، والتعليم في غزة بين الاستجابة والتعافي، ومعوقات توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التدريس.
وفي الجلسة المتزامنة معها، التي جاءت بعنوان التربية والاستجابة المجتمعية. مقاربات لبناء الصمود وتعزيز الهوية في ظل الأزمات، برئاسة أ.د. محمود محمد الكبش، حيث عُرضت بحوث تناولت تجربة مركز خدمة المجتمع في جامعة طرابلس في التربية على الطوارئ، وتصميم بيئات تعليمية آمنة وفق احتياجات الطلبة في الحروب، وقراءة تاريخية في تجربة أبي بكر الطرطوشي وإسقاطاتها على الواقع اللبناني، والمبادرات التطوعية في التربية والتعليم أثناء النزاعات، ودور جامعة طرابلس في دعم طلاب الشهادات الرسمية أثناء معارك مخيم نهر البارد.
كما خصص المؤتمر جلسة بعنوان البرامج الأكاديمية والتأهيل المهني للمعلمين في مناطق الحروب والأزمات، برئاسة الأستاذ الدكتور محمد محمود أبو هاشم، ناقشت الاحتياجات التدريبية والمهنية للمعلمين في سياقات الأزمات الممتدة، وجاهزية معلمي المرحلة الأساسية للتعامل مع الصدمات النفسية لدى الطلبة في غزة بعد العدوان، ومعوقات إقبال الطلبة على كليات التربية وأثرها في جودة العملية التعليمية، بما يعكس اهتمام المؤتمر ببناء المعلم بوصفه حجر الزاوية في أي مشروع تربوي مقاوم للانهيار في أوقات الأزمات.
واختُتمت أعمال المؤتمر بجلسة خاصة لمناقشة المخرجات والتوصيات، شارك في إدارتها ومناقشتها الأستاذ الدكتور سامي الشريف، والأستاذ الدكتور رأفت محمد رشيد الميقاتي، والأستاذ الدكتور علي الجمل، والأستاذة الدكتورة ربى شعراني، حيث تركزت المخرجات المقترحة حول إعداد إطار عام لدليل جودة التعليم في ظل الحروب والأزمات، وتوصيف مقرر جامعي بعنوان التعليم في ظل الحروب والأزمات، وإنشاء معهد دولي للتعليم في ظل الحروب والأزمات، وبناء خريطة بحثية متخصصة في هذا المجال.
وقد خلص المؤتمرون إلى جملة من التوصيات، أبرزها. وضع إطار عام مرن لدليل جودة التعليم يتلاءم مع ظروف الحروب والأزمات ويضمن استمرار العملية التعليمية دون التفريط بمعاييرها؛ إعادة توصيف أساسيات التعليم بما يناسب الواقع الاستثنائي وحاجات المتعلمين في البيئات غير المستقرة؛ تعزيز التعاون لإنشاء أو دعم مراكز ومبادرات دولية متخصصة بالتعليم في الأزمات؛ والتركيز على تطوير البنية الرقمية وجودة التعليم الرقمي بما يضمن وصولًا عادلًا وآمنًا وفعالًا لجميع المتعلمين.
وفي ختام المؤتمر، أكد المشاركون أن جودة التعليم في زمن الحروب والأزمات ليست ترفًا أكاديميًا ولا شعارًا إداريًا، بل هي شرط من شروط بقاء المجتمعات، وصون الإنسان، وحماية الأجيال من اليأس والتفكك والضياع. كما ثمّنوا دور جامعة طرابلس وكلية التربية والجهات الشريكة والراعية في إطلاق هذا المسار العلمي والإنساني، آملين أن تتحول مخرجات المؤتمر إلى مبادرات عملية وسياسات تربوية قابلة للتطبيق، تضع التعليم في قلب الاستجابة للأزمات، لا في هامشها.
________________________. متابعة === عايدة حسيني