فضل الله في اليوم العاشر من محرم وخطبتي الجمعة:

الانقسام الحادّ في المواقف يضعف قرار البلد وموقفه والثّقة
ألقى العلامة السيد علي فضل الله خطبة يوم العاشر من محرّم في مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، بعد تلاوة المصرع الحسيني، وقال: "أيّها المواسون للحسين (ع) وكلّ تلك الصّفوة الطّيّبة من كربلاء. لقد أدّى الّذين كانوا في كربلاء دورهم، فكانوا أوفياء لما دعاهم إليه الحسين (ع) من نصرة دينه وإعزاز كلمته وأخلصوا له، وتركوا في عهدتنا مسؤوليّة كبيرة علينا القيام بها، ونحن في هذه المرحلة، علينا أن نؤدّي دورنا فكربلاء لم يردها الحسين (ع) أن تقف عند حدودها ولم يرد لعاشوراء أن تبقى حبيسة الزّمن بل أراد لكربلاء أن تمتدّ إلى كلّ أرض وأن تكون عاشوراء على مدى الزّمن... قد لا يكون ذلك بأسلوبها بل بمواقفها وشعاراتها وأهدافها، ففي كلّ مرحلة هناك صراع بين الحقّ والباطل وبين من يعمل للعدل ومن يسعى لتبنّ الظّلم، لا بدّ من موقف عزيز ومضحّي لحماية الحقّ ضدّ الباطل وللعدل ضدّ الظّلم وللإصلاح في مواجهة الفساد".
"كربلاؤنا اليوم نشهدها في هذا البلد في كلّ هذه الدّماء الطّاهرة المضحيّة الّتي نزفت ولا تزال وفي التّدمير الّذي حصل والّذي يراد منها أن نعطي إعطاء الذّليل ونقرّ إقرار العبيد، إنّ خيارنا كان وسيبقى أن لا نعطي إعطاء الذّليل ولا نقرّ إقرار العبيد وهذا ما أردناه ونريده أن يكون خيار اللّبنانيّين جميعًا، لا بمعنى كما قد يفهم البعض أن نضحّي بأنفسنا بل أن يكون لنا إرادة العزّة ورفض الذّلّ وبالحكمة الّتي نحن معنيّون بالعمل بها، ونحن قادرون على الوصول إليه إن توحّدت جهودنا واستنفرنا عناصر القوّة الّتي نملكها ولم نفرّط بها إن بفعل الدّاخل ممّا يثبته الميدان أو من الخارج ممّن يريدون خيرًا لهذا البلد".
"من المؤسف أن نشهد رغم كلّ ما يجري مواقف تسهم في رفع مستوى الانقسام الدّاخليّ أو ممّن يصرّ علينا أنّ قوّة لبنان هي في ضعفه وترك البلد لمصيره الّذي من الطّبيعي أن يضعف قرار هذا البلد وموقفه والثّقة به، وما يجعله في مهبّ رياح الآخرين، لهذا وحرصًا على هذا البلد نجدّد دعوتنا للّذين يملكون قرار هذا البلد إلى التّلاقي لمواجهة مخاطر هذه المرحلة الصّعبة، بعد أن أصبح واضحًا أنّ العدوّ لن يقدّم ما يريده اللّبنانيّون من الخروج من الأرض الّتي احتلّها وعودة الأسرى رغم كلّ العروض الّتي قدّمتها الدولة اللّبنانيّة ممّا كان واضحًا لدينا، حيث لا تزال قيادات العدوّ تعلن وبالفم الملآن أنّها لن تغادر الأراضي الّتي احتلّها جيشها وسيبقى فيها ولن تأبه لكلّ الضّغوط والاتّفاقات. وآمل أن يجد الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ طريقه إلى التّنفيذ والّذي إن حصل سينعكس إيجابًا على سلام المنطقة وأمنها والّذي للبنان نصيب وافر منه، ممّا كانت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران واضحة في جعله من أولوياتها وإصراره عليه".
ودعا الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى "توحيد جهودها والاستفادة من قدراتها الّتي تملكها في أن يكون لها موقع للوقوف معًا في مواجهة التّحدّيات المشتركة الّتي تواجههم ونقدّر كلّ الجهود الّتي تبذل الآن في هذا الاتّجاه"، وشدد على "أن لا ننسى وسط كلّ ذلك قضيّة الشّعب الفلسطينيّ من مخطّطات لتهويد الضّفّة الغربيّة وإسقاط اتّفاق غزّة بكلّ مفاعيله وصولًا للسّيطرة على فلسطين كلّها وإنهاء القضيّة الفلسطينيّة بالكامل والّتي هي مسؤوليّة العرب والمسلمين وعليهم أن يتحمّلوها".
وختم: "إلى أهلنا الصّابرين الصّامدين الّذين دفعوا الأثمان الباهظة في هذه الحرب وهم يعودون في هذه الأيّام إلى قراهم ومدنهم وبيوتهم أو ما تبقّى منها، لنقول لهم بأنّ ما نزل بهم فبعين الله، وأنّ صبرهم وثباتهم ووفاءهم وتعلّقهم بأرضهم وحبّهم لوطنهم وإخلاصهم في خطّ هذا الحبّ وهذا الوفاء هو الّذي حفظ البلد وهو الّذي سيساهم في استعادة البلد حريّته وسيادته ويحرّر الأرض ويحفظ الإنسان. نقول لكم، مزيدًا من هذا الصّبر ومن هذا التّكافل والتّراحم حتّى ندفع كاهل الحرب عن الجميع ونصل بالبلد كلّه إلى شاطئ الأمان".
خطبتا الجمعة
وألقى فضل الله خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين وقال: "إخلاصنا للحسين (ع) لن يقف عند ذرفنا للدّموع فحسب عند ذكر مصابه، بل أن نعمل للأهداف الَّتي لأجلها كان هذا المصاب، وكانت كلّ هذه الآلام، بأن نكون حاضرين في كلِّ ساحة من ساحات الحقّ والعدل، وصوتًا يرتفع في مواجهة كلِّ ظالم أو فاسد أو منحرف عن جادة الحقّ، لا نجامل في ذلك مهما كانت هويَّة الفاسد والظَّالم أو المنحرف أو طائفته أو مذهبه، وبذلك نكون قادرين على مواجهة التّحدّيات... والبداية من استمرار العدوّ بخروقاته لوقف إطلاق النّار عبر اعتداءاته على العديد من المناطق في الجنوب وبقيّة المناطق والّتي أدّت إلى سقوط شهداء وجرحى عبر طائراته الحربيّة أو عبر مسيّراته الّتي تجوب المناطق اللّبنانيّة والّتي لا تفارق بيروت، ما يؤكّد على ما أشرنا إليه سابقًا حول نيّة العدوّ لإجهاض القرار الّذي ورد في ورقة التّفاهم الّتي تمّ التّوصّل إليها بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران القاضي بإيقاف تامّ لإطلاق النّار والّذي لا يريده العدوّ لكونه يقيّد حركته. ما يدعو الدّول الرّاعية لهذا القرار إلى الإسراع في القيام بدورها وبذل جهودها لمنع العدوّ من الاستمرار بخروقاته وما قد يؤدّي إليه من تصعيد، ولتأكيد مصداقيّة هذا التّفاهم وجدّيّة العمل على إنهاء الحرب والّذي توسّم به اللّبنانيّون خيرًا ويراهنون عليه".
"في هذا الوقت، تستمرّ المفاوضات اللّبنانيّة مع الكيان الصّهيونيّ والّتي أصبح من الواضح أنّها لن تؤدّي إلى نتيجة ترتجى من انسحاب كامل من الأراضي اللّبنانيّة الّتي احتلّها وعودة الأهالي إليها وخروج الأسرى من سجون الاحتلال وحتّى جدولة الانسحاب لعدم رغبة العدوّ بذلك وهو ما كان صرّح به قادة العدوّ قبل المفاوضات وفي أثنائها وبعدها... لهذا نعيد التّأكيد على الدّولة اللّبنانيّة أن تفعل دورها في العمل على انسحاب كامل من الأراضي اللّبنانيّة وتحقيق آمال اللّبنانيّين بالعودة إلى مدنهم وقراهم، بما لا يمسّ بسيادة البلد وبوحدته الدّاخليّة... وأن تستند في ذلك إلى مواقع القوّة الّتي تمتلكها في الدّاخل والّتي أثبتت قدرتها في إرباك العدوّ، وإلى ما نتج عن المفاوضات الّتي جرت في سويسرا بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران والّتي حرصت الجمهوريّة الإسلاميّة فيها على وضع لبنان في الأولويّات إن على صعيد وقف النّار أو انسحاب العدوّ من كلّ أراضيه، وكذلك إلى دعم كلّ من يريدون خيرًا بهذا البلد".
: "فيما نعيد التّأكيد على اللّبنانيّين بضرورة الحرص على وحدتهم الدّاخليّة والخروج من كلّ خطاب مستفزّ يهدّد وحدة الوطن واستقراره والتّلاقي فيما بينهم على كلّ الصّعد للعمل معًا لمواجهة التّحدّيات المحليّة والإقليميّة الرّاهنة حيث لا يمكن أن تواجه بالتّرهّل والانقسام الّذي نشهده، بل يؤدّيان إلى المزيد من معاناتهم في الوقت الّذي يجعل وطنهم في مهبّ رياح الآخرين. فيما ندعو الدّولة إلى القيام بدورها لتأمين البنية التّحتية في المناطق الّتي تمكّن الأهالي من العودة إليها إن على صعيد شبكات الكهرباء والماء أو الطّرقات وترميم المؤسّسات التّربويّة والصّحيّة بما يمكنها من استئناف عملها وإعادة تشغيل الإدارات الرّسميّة ما يساعد الأهالي على تثبيت عودتهم ورسوخهم في أرضهم".
وختم: "أخيرًا، لا بدّ من الاعتزاز بالمشاعر الجيّاشة الّتي عبّر عنها المحبّون لأهل البيت (ع) من خلال حضورهم للمجالس أو عبر مسيراتهم، وعن هذا الحبّ والولاء للحسين (ع) ولكلّ الّذين قدّموا التّضحيات من أجل الله ونصرة دينه، ومعه سيكون التّعبير في العمل لتحقيق الأهداف الّني لأجلها كانت هذه التّضحيات".