لماذا يصعب توثيق ودراسة أعمال الرحابنة

تعد التجربة الرحبانية التي جمعت عاصي ومنصور وفيروز واحدة من أعقد الظواهر الفنية في التاريخ العربي الحديث فهي لم تكن مجرد مشروع غنائي أو مسرحي بل كانت مشروعا ثقافيا متكاملا أسهم في تشكيل الوجدان العربي عبر عقود طويلة
ورغم المكانة الاستثنائية لهذه التجربة فإن الباحثين والمؤرخين يواجهون صعوبات كبيرة عند محاولة توثيقها أو دراستها دراسة علمية دقيقة ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة
أولا إشكالية الذات الجماعية
أذاب عاصي ومنصور شخصيتيهما الإبداعيتين داخل اسم واحد هو الأخوان رحباني
ولهذا أصبح من الصعب معرفة من كتب النص أو من وضع اللحن أو كيف توزعت الأدوار بينهما فقد تعمدا طوال حياتهما تقديم العمل بوصفه نتاجا مشتركا لا يسمح بفصل مساهمة أحدهما عن الآخر
ويرى بعض النقاد أن عاصي كان يميل أكثر إلى التلحين بينما كان منصور أقرب إلى بناء النصوص الشعرية لكن هذا بقي في إطار الاجتهادات ولم يتحول إلى حقيقة موثقة
كما أن طبيعة العمل المشترك تجعل من الصعب تحديد كيف ولدت الفكرة الموسيقية أو الشعرية ومن بدأها ومن أكملها
ثانيا اللغة المحكية والتهميش الأكاديمي
اعتمد الرحابنة في معظم أعمالهم على اللهجة اللبنانية المحكية
وكان هذا أحد أسباب وصول أعمالهم إلى الناس بسهولة لكنه في الوقت نفسه شكل عائقا أمام الدراسات الأكاديمية التقليدية التي كانت تمنح الأولوية للنصوص المكتوبة بالفصحى
كما أدى الاعتماد على اللهجة المحلية إلى ندرة الترجمات الدقيقة للأعمال الرحبانية إلى اللغات الأخرى مما حد من انتشار الدراسات العالمية المتخصصة حولها
ثالثا غزارة الإنتاج وتشتت الأرشيف
خلف الرحابنة إرثا فنيا ضخما يضم أكثر من ألف أغنية وسبعا وعشرين مسرحية غنائية إضافة إلى أعمال إذاعية وتلفزيونية وسينمائية كثيرة
ولا يزال عدد من النصوص والمشروعات غير المنشورة محفوظا في الأرشيف الخاص ولم ير النور حتى اليوم( سنتحدث عن بعضها في منشور منفصل)
كما أن المواد المتوافرة موزعة بين تسجيلات صوتية وإذاعية وتلفزيونية وسينمائية وهو ما يجعل جمعها وتحقيقها عملا يحتاج إلى جهد مؤسسي كبير
رابعا تأخر نشر النصوص المسرحية
ظل معظم النصوص المسرحية غير متاح في صورة كتب لفترة طويلة
ولم تصدر الأعمال الكاملة للمسرح الرحباني في مجلدات إلا عام 2003 بجهود الشاعر هنري زغيب
وقد حرم هذا التأخر أجيالا من الباحثين من دراسة النصوص دراسة أدبية ومسرحية مقارنة خلال العقود الأولى من عمر التجربة
خامسا النزاعات القانونية وحقوق الملكية
أصبحت حقوق الملكية الفكرية خلال السنوات الأخيرة أحد التحديات الأساسية أمام الباحثين
فقد أدت الخلافات القانونية بين بعض ورثة الرحابنة والسيدة فيروز إلى تعقيد إعادة تقديم بعض المسرحيات أو استخدام أجزاء منها في الدراسات والعروض الثقافية
كما أثرت هذه النزاعات في إمكان الوصول إلى بعض المواد الأرشيفية وإتاحتها للباحثين
سادسا غلبة القراءة الوطنية على النقد الفني
غالبية ما كتب عن الرحابنة انطلق من زاوية الاحتفاء الوطني أو القومي بوصفهم رمزا للبنان وللثقافة العربية
أما الدراسات التي تناولت البناء الشعري والموسيقي والدرامي للأعمال نفسها فما زالت أقل عددا مما تستحقه هذه التجربة
وقد أدى هذا الاحتفاء الكبير أحيانا إلى تراجع النقد الفني المتخصص أمام القراءات العاطفية والسياسية
واخيراً
إن توثيق أعمال الرحابنة ليس مجرد جمع للنصوص والألحان بل هو مشروع حضاري لحفظ واحدة من أهم التجارب الفنية العربية
وهذا المشروع يحتاج إلى تعاون الباحثين والمؤسسات الثقافية والمراكز الأكاديمية من أجل بناء أرشيف علمي متكامل يدرس العلاقة بين الشعر والموسيقى والمسرح والأداء ويحفظ هذا الإرث للأجيال القادمة بعيدا عن النزاعات والانطباعات الشخصية