إعمار سوريا المدمّرة

برعاية «التطوير العقاري» المجهول
أصحاب ملكيات تحت «المرسوم 66»... ومجمعات فاخرة للأثرياء الجدد

دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)
على طريق المتحلق الجنوبي في العاصمة السورية دمشق، تلوّح نجاح حسن الحي للسيارات الخاصة العابرة، علّ أحدها يقلّها إلى مفرق مدينتها داريا، التي لا تزال أجزاء واسعة منها مدمرة كلياً أو جزئياً بسبب الحرب. ما إن استقرت في السيارة حتى بدأت تتحدث عن معاناتها مع النزوح، وعجزها عن ترميم منزلها المتضرر من القصف في حي الشاميات في داريا.
تقول السيدة إنها تُضطر إلى التنقل بين ابنتيها، لعدم قدرتها على دفع بدل إيجار غرفة في أحياء محيط العاصمة.
من جانبي الطريق الذي يفصل شطري المدينة تظهر مفارقة واضحة؛ ففي الجهة الجنوبية يمتد دمار داريا أفقياً، في حين ترتفع في الجهة الشمالية أبنية حي المزة وأبراج مشروع «ماروتا سيتي» الذي استأنفت السلطات السورية العمل على إنجازه وكان قد بدأ منذ أيام النظام السابق.
تشير نجاح، التي فقدت زوجها وابنها خلال الحرب، إلى الأبراج بحسرة: «بناء منازل للمهجرين والنازحين، أهم من أبراج الأثرياء الذين لم يخسروا منازلهم ومصادر رزقهم».
وبالفعل، تتجاور في دمشق صورتان تبدوان وكأنهما تنتميان إلى بلدين مختلفين. على اللوحات الإعلانية ترتفع لافتات مجمعات سكنية حديثة وشقق فاخرة تسوق باعتبارها عنواناً لحياة جديدة، مع وعود بالرفاهية والاستثمار ومستقبل أكثر ازدهاراً، وعلى بُعد أمتار قليلة فقط، تمتد أحياء لا تزال تحمل آثار سنوات الحرب، بمساحات مدمرة ومناطق كاملة لم تصلها بعد مشاريع الترميم والبنى التحتية الأساسية.
يثير هذا التناقض بين الخطاب البصري الذي تروّجه مشاريع التطوير العقاري، والواقع الذي يعيشه جزء كبير من السوريين، أسئلة تتجاوز الهندسة والعمران، لتبحث في انتقائية هذه المشاريع على المستويين الاقتصادي والاجتماعي ومن المستفيد منها وما إذا كانت تعكس احتياجات السكان الفعلية.
فبعد فترة من سقوط نظام بشار الأسد، تصاعد حديث عن المشاريع والاستثمارات، وتوسمت الأسر السورية خيراً في أن تكون أولوية الحكم الجديد معالجة أزمة السكن الحادة بخطة فعلية لإعادة الإعمار والخلاص من مرارة النزوح والتشرد وبدلات الإيجار.
لكن التفاؤل سرعان ما خفت مع ظهور استراتيجية حكومية قائمة على جذب شركات استثمارية عقارية أجنبية ومحلية، توجهت إلى تشييد مجمعات سكنية جديدة ضخمة لا يقوى على شراء شقة فيها إلا أصحاب رؤوس الأموال، في حين تُركت العائلات المدمرة منازلها تواجه مصيرها بنفسها.
مبانٍ حديثة أُعيد العمل فيها ضمن مجمعات خاصة على تخوم العاصمة السورية دمشق (الشرق الأوسط)
«يعفور 963»... شقة الـ300 ألف دولار
من بين مشاريع عقارية يروج لها منذ مدة «يعفور 963»، غربي دمشق على طريق دمشق-بيروت، أطلقته مجموعة الاستثمار لما وراء البحر «إنفست جروب أوفرسيز» التي تتخذ من دبي مقراً لها.
يمتد المشروع، وفق منصة «المصدر العقاري»، على مساحة تقارب 144 ألف متر مربع، ويضم 13 مبنى تتوزع بين 12 مبنى سكنياً ونادٍ اجتماعي، فيما تم تخصيص أكثر من 75 في المائة من المساحة الإجمالية للمسطحات الخضراء والمناطق المفتوحة والمرافق.
لم يتم إعلان القيمة الاستثمارية الإجمالية للمشروع، إلا أن المنصة ذكرت أنه يضم 1280 وحدة سكنية تشمل شققاً من غرفتين وثلاث وأربع غرف نوم إضافة إلى نمط شقق الـ«بنتهاوس».
أما أسعار الشقق في المشروع الذي يضم مجموعة واسعة من المرافق والخدمات، فتبدأ بـ300 ألف دولار لشقة من غرفتي نوم. وتلك مساحة لا تخدم متوسط الأسرة السورية فيما ثمنها يفوق قدرتها بكثير.
وفي بلد لا يتجاوز الراتب الشهري لأغلبية الموظفين 150 دولاراً، في حين تكلف احتياجات أصغر عائلة نحو 500 دولار شهرياً، يبدو مبلغ 300 ألف دولار رقماً فلكياً.
لذا، مع فقدان الأمل بإعادة إعمار حكومية قريبة أو مشاريع استثمارية مدعومة لإعادة بناء المناطق المدمرة، وجدت العائلات نفسها مجبرة على العودة إلى العيش وسط الدمار، بعد إجراء عمليات ترميم جزئية وبسيطة على نفقتها الخاصة، من خلال حوالات مالية غير منتظمة من الخارج.جانب من مشروع «مزّة 56» في دمشق (الشرق الأوسط)
شراكات مشبوهة في جوبر
يتداول أهالي ومسؤولو جوبر، وهي ضاحية تاريخية واقتصادية تقع شمال شرق العاصمة دمشق، عن عروض استثمارية مجهولة تلعب الحكومة فيها دور الوسيط، وليس الضامن.
يقول أيمن الدسوقي، الباحث الأول في «مركز عمران للدراسات الاستراتيجية»، الذي أجرى أخيراً جولة ميدانية في المناطق المدمرة، إن إحدى الشركات بدأت تعرض على سكان حي جوبر في ريف دمشق تسويات تتعلق بأملاكهم، بحيث يحصل أصحاب العقارات المسجلة بـ«الطابو» على 50 في المائة فقط من قيمة ملكياتهم، في حين يُعرض على مالكي الأراضي الزراعية 35 في المائة من قيمة أراضيهم. ويشير الدسوقي إلى أن هذه الآلية تثير مخاوف من انتقال ملكية السكان أو انتقاص حقوقهم العقارية عبر مشاريع إعادة الإعمار، في نموذج يرى البعض أنه يعيد تجميع ملكيات السكان وتعويضهم بجزء من قيمتها.
يُشاع على نطاق واسع أن رجال أعمال على صلات بالنظام السابق يقفون ورا الشركات او لهم فيها حصص كبيرة، بالتالي فإن الأمر الذي كان مثار جدل لدى أهالي جوبر بأن خلافهم مع عرض الشركة يتجاوز التفاصيل القانونية والفنية، لتمتد إلى الأشخاص بعينهم.
شوارع لا تزال مهدمة ومنازل تحت الركام في حي جوبر الدمشقي (الشرق الأوسط)
وإلى ذلك، يقول الدسوقي إن ارتفاع سعر بيع المتر المربع الواحد الذي خلصت إليه الشركة بعد دراستها للسوق، بلغ نحو 1000 دولار، ما يفوق القدرة الشرائية لسكان جوبر، وغالبيتهم من النازحين.
ويُرجع الدسوقي ارتفاع السعر إلى الصيغة التي تُطرح لمشاريع التطوير العقاري في المناطق المدمرة، تتحمل فيها الشركات الاستثمارية إعادة الخدمات الأساسية، لتعويض غياب الحكومة، لكن على حساب رفع قيمة المتر المربع من الوحدات السكنية، والاستحواذ على الأراضي عبر مشاركة حصص ملاكها.
الدولة وسيط للمستثمرين
تحاول الحكومة أن تكون وسيطاً يقنع المستثمر بإعادة بناء المناطق المدمرة تحت ضغط قاعدة مجتمعية عانت سنوات الحرب وثمة ضرورة لتعويضها، بالتزامن مع إعلانها عن «مشروع إغلاق المخيمات»؛ لذلك تفضّل خيار المستثمرين للبناء في مناطق نظيفة. لكن هذا المسار الذي يبدو اضطرارياً يوجه المشاريع نحو ذوي الدخل المرتفع، على حساب قطاع واسع من أصحاب الحقوق وهم من أصحاب الدخل المحدود.
وقال الدسوقي إن هذه الصيغة لا تفضي إلى تحقيق «الاستقرار المجتمعي»، موضحاً أن «الحكومة تستهدف فعلاً إعادة إعمار المناطق المدمرة، وربما تشجع عليها لكنها لا تملك صلاحية إلزام المستثمرين بالعمل فيها، فهم يقدمون عروضاً تتوافق مع مصالحهم الاقتصادية».
سكان عادوا إلى بيوتهم المهدّمة في حي التضامن بدمشق (الشرق الأوسط)
وأضاف أن الجهات الحكومية المعنية، ومنها المحافظة ووزارة الإسكان ووزارة التنمية المحلية، تجري محاولات لإقناع سكان المناطق المدمرة بقبول العروض المقدمة من الشركات الاستثمارية لأنها قد تكون أفضل الممكن.
وحسب الدسوقي، ثمة تفسير آخر لإحجام الدولة عن الدخول في عملية إعادة إعمار المناطق المدمرة، هو افتراض أن دورها يقتصر على تنظيم الأمور وإصدار القوانين والتشريعات واستقطاب العروض دون أن تكون مسؤولة عن تنفيذ إعادة الإعمار نفسها، ولا عن توفير خدمات أساسية، وهي مسؤوليات يمكن أن يتحملها القطاع الخاص بشقيه الداخلي أو الخارجي.
مع ذلك تنشأ مدن فارهة تستهدف طبقة جديدة في المجتمع السوري. يصفهم الدسوقي بـ«طبقة حديثي النعمة»، التي أقامت خلال سنوات الحرب مشاريع عقارية ضخمة في بعض مناطق الشمال السوري، وراكمت من ورائها ثروات كبيرة، وتقدر نسبتها من 1 إلى 3 في المائة من المجتمع، إلى جانب المغتربين السوريين الموجودين في الخارج، والجالية السورية الكبيرة في أوروبا التي اندمجت بالاقتصاد الأوروبي، إضافة إلى أصحاب الرأسمال الأجنبي الذي يبحث عن موطئ قدم في سوريا.
ومثل هذه المشاريع العملاقة تلبي احتياج شريحة محدودة، ويتحقق الاكتفاء لها ببناء 100 ألف وحدة سكنية، ولكن في المقابل تبقى، وفق الدسوقي، مشكلة السكن لـ3 ملايين نازح داخلي و5 ملايين لاجئ قائمة من دون حل.
استئناف العمل في المجمعات السكنية الفاخرة في دمشق (الشرق الأوسط)
«ماروتا سيتي» و«المرسوم 66»
محاولات الشركات الجديدة التي تنخرط أخيراً في سوق التطوير العقاري لمناطق مدمرة ليس جديداً في سوريا. نظام الأسد كان قد أصدر «المرسوم 66» السيئ الصيت عام 2012 بزعم «تطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي».
منذ الإطاحة بالنظام السابق، عاد الجدل إلى هذا المرسوم السيئ الصيت، ولا سيما عند الحديث عن المنطقتين التنظيميتين اللتين استُحدثتا بموجبه؛ الأولى هي منطقة جنوب شرق المزة (مزة-كفرسوسة)، التي عُرفت لاحقاً باسمها الجديد «ماروتا سيتي»، وتشمل ما يُعرف شعبياً ببساتين المزة وأجزاء من كفرسوسة. أما الأخرى فهي منطقة جنوبي المتحلق الجنوبي، التي عُرفت لاحقاً باسم «باسيليا سيتي».
اليوم، يؤكد أصحاب الملكيات الأساسيون في هاتين المنطقتين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، وحقوقيين سوريين ومنظمات حقوقية دولية، أن هدف النظام السابق من «المرسوم 66» هو انتزاع ملكيات الأهالي وتهجيرهم، وإحداث تغيير ديمغرافي فيهما.
وحسب تقارير دولية تعود إلى عام 2018، فإن «(المرسوم 66) يعاقب النازحين ويعوق التحقيق في جرائم الحرب»، كما أن حكومة النظام السابق «استخدمت المرسوم لمصادرة الممتلكات وتشريد السكان».
وكانت وزارة الخزانة الأميركية فرضت في يونيو (حزيران) 2020، عقوبات على محافظ دمشق السابق عادل العلبي لدوره في الإشراف على شركة «الشام القابضة»، ومشروع تطوير العقارات في «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، واصفة المشروع بأنه «أكبر استثمار عقاري في سوريا بملايين الدولارات، يهدف إلى تغيير ديمغرافية المكان إلى ديمغرافية غنية وموالية سياسياً لنظام الحكم».
ملكية الأراضي الزراعية معرّضة للخطر والتجزئة ضمن خطط الاستملاك الجديدة (الشرق الأوسط)
وفي عام 2024، ومع سقوط النظام، يأمل أصحاب الملكيات الأساسيون للأراضي في مشروعي «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، أن تقوم السلطات السورية بإلغاء «المرسوم 66» أو تعديله بحيث تنصف المالكين الأساسيين بعد الحيف والظلم الذي طالهم من قبل النظام المخلوع، غير أن محافظة دمشق واصلت العمل فيه، مما أثار حفيظة الأهالي وارتفعت أصواتهم المطالبة بإنصافهم ونظموا تظاهرات في هذا الشأن.
بشير بعلبكي أحد المالكين الأساسيين في منطقة «بساتين المزة»، يتحدث إلى «الشرق الأوسط» قائلاً إن «المحافظة في عهد النظام البائد أعطت المالكين فقط 17 في المائة من أراضيهم، وهذا قمة الإجحاف».
يضيف بعلبكي: «السكن البديل كان مجانياً وبالمنطقة نفسها، وقد أخلت المحافظة بهذا البند من حيث المكان والتعويض، وقد تم تعويض المالكين ببدل إيجار سنوي زهيد لا يغطي حصتهم من الملكية».
وبعد التحرير، عدلت المحافظة بدل الإيجار إلى 35 ضعفاً، لكنه وفق بعلبكي «لا يزال غير متناسب مع سوق الإيجار والعقار خصوصاً مع التضخم الهائل. كما وعدت المحافظة بتوفير سكن بديل في المنطقة المجاورة ولكن من دون إكساء وبسعر مجهول حتى اليوم».
سكان يعودون إلى منازلهم المدمرة ويحاولون ترميم ما تيسّر تفادياً للإيجارات الباهظة (الشرق الأوسط)
ضرب «حواضن الثورة»... بالقانون
معتصم السيوفي، مدير مؤسسة «اليوم التالي» التي أنجزت دراسة حول حقوق الملكية ومشاريع التطوير العقاري، يوضح أن المشكلة في «المرسوم 66» و«القانون رقم 10» لعام 2018، أنهما «صدرا في ظرف غير طبيعي خلال سنوات الثورة، وقد استخدمهما النظام لمواجهة المناطق التي انتفضت عليه، وكانت تلك حواضن للثورة عبر تغيير هويتها وطابعها الديمغرافي».
ويلفت السيوفي لـ«الشرق الأوسط» إلى «تعسف كبير» بحق أصحاب الملكيات؛ إذ لم تكن حينها لدى أعداد كبيرة من المالكين الأساسيين إمكانية لإثبات ملكياتهم بسبب الظروف القائمة، كما حصل عدد كبير من حالات البيع بالإكراه، مشيراً إلى أن شخصيات بارزة من أركان النظام السابق، من بينهم أسماء الأسد ورجلا الأعمال سامر الفوز وحسام القاطرجي، يمتلكون حصصاً كبيرة في أبراج «ماروتا سيتي»، وقد وُضعت هذه الحصص تحت إدارة «الصندوق السيادي».
ويشرح السيوفي ما يصفه بآلية الاحتيال بالقول: «إذا كانت لديك اليوم قطعة أرض زراعية في دمشق تساوي ألف دولار، فإن قيمتها ترتفع إلى عشرة آلاف أو حتى مائة ألف دولار عندما تُصنّف أرضاً معدّة للبناء. لكن في (المرسوم 66) حُدّدت قيمة معينة للأراضي، ومنح المالك مقابلها أسهماً في المشروع الجديد، فيما أصبحت أسعار العقارات ضمن المخطط التنظيمي مرتفعة جداً، إلى درجة أن قيمة الأسهم التي حصل عليها المالكون لا تكفي لشراء غرفة، بل حتى حمام، في شقة ضمن أحد الأبراج، في وقت تُباع فيه الشقة الواحدة بنحو مليون ونصف المليون دولار. وهذا، برأيي، شكل من أشكال الاحتيال على الملكية أو سلبها بطريقة غير مباشرة، وما زال قائماً».
مبانٍ شاهقة وشقق فاخرة بانتظار سكان متمكنين اقتصادياً (الشرق الأوسط)
ويشير السيوفي إلى أن محافظة دمشق، خلال حقبة النظام السابق، استحوذت على حصة كبيرة من المقاسم السكنية والتجارية ضمن المشروع، ثم طرحتها للاستثمار عبر شركة «شام القابضة»، بحجة تمويل مشاريع البنية التحتية، معتبراً أن ذلك يثير كثيراً من علامات الاستفهام، معتبراً «الحل المنطقي» يبدأ بوقف تنفيذ «المرسوم 66» عند الحدود التي نُفذ فيها حتى الآن، ثم تعديله بما يضمن تعويضاً عادلاً للمالكين من حصة المحافظة.
مخيم اليرموك... نكبة مزدوجة
في مخيم اليرموك جنوب دمشق، الذي كان يُوصف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» قبل أن يتحول إلى أحد أبرز نماذج الدمار السوري، تتزايد اليوم مؤشرات على عودة العائلات النازحة، مع حركة نسبية في السوق المحلية، رغم استمرار الدمار وتردي الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي واتصالات.
في الشارع الرئيسي وعدد من الأزقة، تبرز أبنية أُعيد بناؤها على الهيكل (العظم). تعيش فيها عائلات في غرفة واحدة جرى إكساؤها مع مطبخ وحمام بالحد الأدنى من التجهيزات، فيما رمّم آخرون شققهم رغم مخاطر انهيار المباني المتضررة بشدة.
يسار العمر عاد إلى منزله في المخيم قبل نحو عام ونصف العام. تحدث الرجل الستيني لـ«الشرق الأوسط» وهو جالس على كرسي على رصيف الشارع. ألقى باللوم على الحكومة ووكالة «الأونروا»: «للأسف لم نر أحداً».
يوضح الرجل أنه في ظل الارتفاع الخيالي لبدلات إيجار الشقق ووصولها إلى أكثر من 400 دولار في محيط المخيم، أُجبرت العائلات النازحة على العودة إلى منازلها بعد إجراء عمليات ترميم جزئية وبسيطة.
ويقول: «المهم الخلاص من جشع المؤجرين، قمنا بتركيب باب رئيس للشقة وستائر وبطانيات على أبواب الغرف الداخلية والنوافذ، والبعض يأكل خبزاً وبصلاً لتوفير تكاليف الترميم».
وعن المجمعات والمشاريع الجديدة، قال إن «هذه الشقق والخدمات ليست لنا، وحتى في المناطق العشوائية بات تملُّك شقة صغيرة بالنسبة للغالبية العظمى من السكان حلماً مستحيل تحقيقه في ظل الأسعار الحالية».
البناء والترميم بجهود ذاتية وغياب تام لأي خطة حكومية (الشرق الأوسط)
غياب حكومي تام
يتحدث الدسوقي عن مبادرات محلية شعبية لترميم المنازل في مدينة دير الزور وبعض المشاريع لمنظمات معنية لإعادة تأهيل بعض الأسواق، «لكن الغائب في كل تلك المناطق المدمرة التي قمت بزيارتها سواء كانت في حي جوبر بدمشق أو ريفي حلب وإدلب الشرقيين، هو غياب الحكومة عن ملف إعادة الإعمار».
سبب الغياب، حسب الدسوقي، يتعلق بعدم امتلاك الحكومة تكلفة عملية إعادة الإعمار المرتفعة جداً، التي يتم الحصول عليها من الدولة أو القطاع الخاص أو القروض، وبالنسبة للدولة فإنها «خارج هذا الملف، لأن لديها مشكلات وتحديات كبيرة، ولم تستعد عافيتها بعد على صعيد الخزينة والإيرادات المالية، وبالتالي الدخول بهذا الملف قد يستنزفها وهو وأكبر منها».
لكن السؤال في ظل هذا الوضع، لماذا لم تتجه الدولة إلى القروض الخارجية، خصوصاً أن إعادة الإعمار لم تجر في دول عديدة إلا وكان فيها تمويل على هيئة قروض من الخارج؟
يعتقد الدسوقي أن عزوف الحكومة عن الدخول بموضوع القروض مرده «الحكم الشرعي» للقروض وفوائدها، إلى جانب ما يتعلق بالسيادة، ولذلك اتجهت لجذب رؤوس الأموال عن طريق القطاع الخاص، عبر فتح باب الاستثمار لإعادة إعمار المدن المدمرة بالاتفاق مع السكان.
لكن ما يحصل، برأي الدسوقي، أن الدولة لا تقوم بدورها بصفتها ضامناً للحقوق والملكيات، بل تظهر أشبه بوسيط كما سبق الذكر؛ إذ إنها عندما تطرح على الأهالي مسألة وجود عرض لشركة عقارية لإعادة إعمار منطقتهم، تكتفي بطرح العرض والقول لهم: هل يناسبكم أم لا؟ في حين الحكومة يجب أن تقول بوضوح إن كان هذا العرض يناسب ويراعي حقوق الملكيات أم لا.
أحد أحياء دمشق الأقل تضرراً خلال الحرب (الشرق الأوسط)
حلول ممكنة على الطريقة التركية
يرى الدسوقي أن من بين الحلول البديلة أن تقوم الدولة بمقايضة شركات التطوير العقاري، بإعطائها قطعة أرض نظيفة تعود ملكيتها لها للاستثمار فيها، مقابل إعمار حيٍّ مدمَّرٍ مثلاً، لافتاً إلى أن الحكومة بحاجة إلى إنجاز ملموس يقلّل الفجوة مع أهالي هذه المناطق قبل أن تتسع أكثر، وذلك من خلال تقديم إعفاءات وإغراءات إلى المستثمرين للاستثمار في المناطق المدمرة.
ويلفت الدسوقي إلى أن الحكومة لديها ميزة أنها كثيرة الاطلاع على تجارب الدول الأخرى ويمكن أن يستفيدوا منها، خصوصاً الشركات التركية التي لها علاقة بالشراكة بين القطاع الخاص والقطاع المشترك لبناء مساكن قريبة لسعر التكلفة، ومنها شركة المطور العقاري التركي الحكومي «التوكي» التي تعمر وتبيع بسعر التكلفة وبأقساط ميسرة.
مبنى أُعيد بناؤه وقد بدا ختم محافظة دمشق على أبواب المحال التجارية (الشرق الأوسط)
ويضيف: «من غير المستبعد أن نشهد تحوّلاً في بنية (الصندوق السيادي) السوري عبر إحداث (ذراع عقارية) قابضة تابعة له على نمط (التوكي)، والبدء بتأمين مساكن بسعر التكلفة للمواطنين وبأقساط، وذلك بعد إكمال عملية التسويات مع رجال الأعمال السابقين الذين كانوا مرتبطين بالنظام السابق»، موضحاً أنه يمكن أن يتم اللجوء إلى هذا الخيار المرتبط بمسألتين وهما حوكمة «الصندوق» حتى تكون هناك آلية مستقرة، وكمية المال كي يستطيع الدخول في هذا المشروع، ولكن من غير المتوقع أن يكتمل ذلك قبل سنة أو سنتين.
يُذكر أن «الصندوق السيادي»، أنشئ بمرسوم رئاسي في يونيو 2025، وشارك خلال الفترة الماضية في العديد من المنتديات الاستثمارية، وبدأت تتكشف خيوط بأنه يدير أصولاً تم الاستحواذ عليها نتيجة تسويات قامت بها «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» مع رجال أعمال ارتبطوا مع النظام السابق وبعض رموزه الاقتصادية.