غ

غ

امسية موسيقية بعنوان:" عهد أبدي" في الديمان - الاحد ٢٦ تموز ٢٠٢٦


في اطار احتفاليات تطويب البطريرك إلياس الحويك في المقر البطريركي الصيفي في الديمان،أحيت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو: هاروت فازليان امسية موسيقية بعنوان:" عهد أبدي" بحضور البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي والكاردينال مارتشيلو سيميرارو وحشد من المطارنة والنائب وليام طوق،والرئيسة العامة لجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات الأخت ماري انطوانيت سعادة، وحشد من الفعاليات.


و القت الأخت سعادة كلمة شكرت فيها البطريرك الراعي ورحبت بالحضور، متوجهتاً بالشكر إلى مديرية المعهد الوطني د. هبة قواص على المشاركة في هذه الأمسية المميزة، والتي تأتي استكمالاً لمسيرة الاحتفاء بالطوباوي البطريرك الياس الحويك.


وأشارت إلى صلاة كان يرددها البطريرك الحويك، يقول فيها: «إلهي، ارفعني إليك، ارفع عقلي إليك، ارفع قلبي إليك، ارفع جسدي إليك، ارفعني كلي إليك»، معتبرة أنها تختصر مسيرته الروحية والإنسانية.

وأضافت أن الحاضرين، خلال أمسية التطويب في اليوم السابق، شعروا بأنهم يرتقون مع البطريرك الحويك، إذ إن حضوره، ومثال حياته، وإرثه، ونضاله، كانت جميعها تدعو إلى السمو والارتقاء، وكأنها ترفع الجميع نحو السماء.


ورأت أن هذه الامسية تشكل تتويجاً لذلك المسار من الرقي والارتفاع والتألق الذي عاشه المشاركون خلال احتفالات التطويب، معربة عن ثقتها بأن ما سيُقدَّم فيها سيغني هذه المسيرة ويمنحها بعداً أعمق.


وفي ختام كلمتها، وجّهت الشكر إلى الكونسرفتوار، وإلى غبطة البطريرك، مرحباً به وبجميع الحاضرين، مؤكدة أن هذا الفرح هو فرح البطريرك الحويك، صاحب الرسالة وصاحب الأساس الذي يجمعهم. وقالت: «اسمحوا لي أن أقول لكم: أهلاً وسهلاً بكم في بيتنا وبيتكم، وشكراً لكم جميعاً».

بدورها الدكتورة قواص القت كلمة وجدانية قالت فيها : ثمة لحظات لا يدخل فيها الإنسان التاريخ، بل يدخل التاريخ فيها إلى الإنسان.


ونحن الليلة، هنا في الديمان، تقف أمام حضور رجل عبر الزمن ولم يغادره.

البطريرك الياس الخويك. اسم من تاريخ الكنيسة، وهو أيضا اسم من تاريخ لبنان. رجل أدرك في زمن كانت فيه الجغرافيا تعاد كتابتها والكيانات تبحث عن مصائرها، أن لبنان أبعد من مساحة ترسم حدودها، لكونه معنى يجب أن يصان.


ولهذا يحمل تطويبة معنى يتجاوز استعادة شخصية تاريخية كبيرة. إنه يعيد إلى الحاضر تجربة كان فيها الإيمان قوة في صناعة التاريخ، وكانت فيها المسؤولية الروحية متصلة بمصير وطن. ليست القداسة ابتعاداً عن الإنسان، بل بلوغاً عميقاً للإنسان فيه أن تصبح الحياة أكبر من صاحبها، وأن يتحول الوجود الفردي إلى معنى يستطيع الآخرون أن يسكنوه بعد رحيله.

صاحب الغنطة برعايتكم وحضوركم الليلة، يلتقي الكونسرفتوار والصرح البطريركي مرة جديدة. وليس هذا اللقاء جديداً علينا. لقد التقينا في السنوات الأخيرة على إيمان عميق بأن الروح والثقافة ليستا عالمين منفصلين، وأن الموسيقى إحدى تجليات الروح.


وأنا أؤمن، منذ زمن بعيد بأن الموسيقى سر من أسرار الخلق.قبل أن تكون نغمة، هي اهتزاز وقبل أن تصبح لحنا، هي علاقة بين حركة وصمت بين زمن وزمن بين صوت وما ينتظره من صوت.

الكون نفسه لا يقوم على السكون، بل على الحركة والإيقاع والنسب والتواتر. وكأن الموسيقى لم يخترعها الإنسان وكأن الإنسان اكتشفها لأنها كانت موجودة قبلة في نظام الوجود. وحين أخذ الإنسان الصوت، ورتبه، ومنحه الزمن، وصنع منه موسيقى، ربما كان يحاول منذ البداية، أن يصغي إلى شيء من ذلك السر. لهذا كانت الموسيقى دائما قريبة من المقدس. لا لأنها تشرح الله - في الله لا يشرح . ولا لانها تصف الغيب - فالغيب لا يختصر بل لأنها تجعل الإنسان للحظات، أكثر استعدادا للإصغاء إلى السر الا زلى العميق. ومن هنا جاء عنوان أمسيتنا:


«العهد الأبدي» عنوان للمعنى الذي أردناه أن يظلل الأمسية كلها. إنه ذلك الارتباط الذي يصبح فيه الحب التزاما، والالتزام تفانيا، و التفاني وجودا كاملا " في ما نحب. عهد الإنسان مع إيمانه. عهد الراعي مع رسالته. عهد الإنسان مع وطنه. وعهد لبنان مع ذلك الجزء من ذاته الذي مهما تعاقبت عليه الأزمات، يرفض أن يفقد النور.


وتابعت : نحن الليلة في الديمان. وربما علينا أن ننظر إلى الأسفل.فتحتنا مباشرة يمتد وادي قاديشا، وادي القديسين ذلك المكان الذي صار عبر القرون واحدا من أعمق خزائن الذاكرة الروحية المارونية.

هناك، في الصخر، وفي الكهوف والأديرة والمحابس المعلقة بين الأرض والسماء كتب الموارنة فصولا " من تاريخهم قبل أن تكتب في الكتب.


لم يجدوا دائما عمارة جاهزة لتحمي إيمانهم، فنحتوا في الصخر مكانا للصلاة. ولم تكن الجغرافيا سهلة عليهم، فجعلوا من قسوتها حصناً، ومن العزلة خلوة، ومن الوادي فضاء تتكون فيه علاقة مختلفة بين الإنسان والله.ومن تلك المغاور والمحابس، ومن حياة الرهبان والنساك والجماعات التي احتمت بهذه الجبال وحفظت فيها إيمانها وتراثها ووجودها، تكونت طبقات من الذاكرة لا تزال حاضرة في هوية هذا الجبل حتى اليوم.


ولهذا فإن الوقوف في الديمان يحمل معنى استثنائياً. كأن الجغرافيا هنا تختصر مسيرة طويلة: في الأسفل، واد حفظ الإيمان في الصخر وفي الأعلى، صرح بطريركي حمل هذا الإيمان إلى رحابة الوطن والعالم.

من الخلوة إلى الحضور. من المغارة إلى الصرح. من صمت الناسك إلى صوت البطريرك. ومن جماعة تحمي وجودها في الجبل، إلى بكركي تحمل قضية وطن إلى العالم.

ولكن الصعود لم يكن قطيعة مع الوادي. فالصرح بقي يحمل شيئاً من المغارة

والبطريركية شيئا من صمت الناسك والحضور الوطني شيئا من ذلك الإيمان الأول الذي لم يكن يملك الكثير، إلا أنه كان يعرف لماذا يريد أن يبقى.


والليلة يدخل إلى هذا المدى صوت آخر. صوت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية.

تأتي الأوركسترا إلى الديمان لتضع موسيقاها في خدمة هذه اللحظة التاريخية والروحية، ولتضيف إلى ذاكرتها صوتا سيولد هنا، في هذا المكان، ثم يصبح جزءاً من زمنه. فالأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية جسد موسيقي وطني يحمل اسم لبنان. وحين تعزف هنا، بعد إعلان تطويب البطريرك الياس الحويك تدخل المؤسسة الوطنية للموسيقى في ذاكرة حدث سيبقى من محطات لبنان الروحية والتاريخية. ويشرفني أن تقف أوركسترانا الليلة بقيادة المايسترو هاروت فازليان، الذي عرف هذه الأوركسترا وعرفته، وشارك في مسيرتها الفنية، ليقودها في أمسية يتجاوز فيها الأداء جماله إلى وعي المكان ومعنى اللحظة.


وأقول لزملائي موسيقيي الأوركسترا

هذه الليلة أنتم داخل المناسبة. اعزفوا وأنتم تعرفون أن تحتكم وادي القديسين، وأن أمامكم بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، وأن في ذاكرة هذه ا الأمسية طوباويا حمل لبنان في قلبه إلى العالم.اعزفوا لهذا المدى.


وأضافت :صاحب الغبطة حين التقت بكركي والكونسرفتوار، وجدت في هذا اللقاء معنى يتجاوز التعاون بين مؤسستين. بكركي تحمل ذاكرة لبنان الروحية والوطنية، والكونسرفتوار يحمل صوته الموسيقي. ومن لقاء الذاكرة بالصوت، أرى إمكانا كبيرا أن نمنح البعد الروحي والحضاري للبنان حضورا جديدا في العالم من خلال الموسيقى.


هذا البلد لم تقس قيمته يوما بمساحته. قيمته في ما أطلقه من فكر، وفي ما أنجبه من مبدعين، وفي ذلك الجبل المطل على المتوسط الذي استطاع عبر أزمنة كثيرة، أن ينتج أفكارا وتجارب روحية وثقافية تتجاوز جغرافيته. وقديسو لبنان جزء من هذا الحضور.


أن يحمل لبنان قديسيه إلى العالم يعني أيضا أن يحمل إليهم الأرض والثقافة والروح التي خرجوا منها؛ وأن يجد لهذا الإرث لغة معاصرة تدخل بها رسالته إلى الوجدان الإنساني. وهنا أرى للموسيقى دورا يتجاوز الحفل ،أن تمنح البعد الروحي للبنان حضورا في اللغة الإنسانية الكبرى للفنون.

وكما حمل البطريرك الياس الحويك لبنان إلى العالم في زمنه علينا نحن كل من موقعه، أن نحمل لبنان إلى العالم في زمننا.

لهذا، في أمسية «العهد الأبدي»، تلتقي روائع الموسيقى الكلاسيكية العالمية مع لحظة تحمل أبعادا روحية ووطنية وحضارية في حوار بين الإيمان والجمال، حيث يتحول الجمال إلى فعل مشاركة في كتابة صفحة مضيئة من ذاكرة لبنان.

صاحب الغبطة شكرا لرعايتكم وحضوركم. شكراً لبكركي، وللديمان، لهذا اللقاء المتجدد بين الروح والموسيقى. وشكرا لجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات - عبرين، ولكل من ساهم في أن ترى هذه الأمسية النور.


أما للطوباوي البطريرك الياس الحويك، فأقول:

طوبى لمن استطاع أن يجعل من حياته معنى أطول من حياته.

وطوبى لوطن، كلما ضاقت به الأزمنة، وجد في ذاكرته من يذكره بأته خلق لأكثر من البقاء.

فليكن «العهد الأبدي» عهدنا مع هذا الأكثر. ولتبدأ الموسيقى.


وانطلق العازفون بقيادة المايسترو يعزفون المقاطع الموسيقية التي ترددت اصداؤها في أرجاء الوادي المقدس وصولا الى غابة الارز الدهنية وسط تصفيق الحضور على مدى ساعة ونصف

بارك بعدها غبطة البطريرك الفرقة شاكرا لهم وللدكتورة هبة احياءهم الامسية الرائعة مشيراً إلى أن شخصية الطوباوي البطريرك الياس بطرس الحويك تقود المؤمنين إلى اختبارٍ روحي يلامس السماء، مؤكداً أن الأمسية الموسيقية التي قدّمتها الأوركسترا، بقيادة المايسترو هاروت فازليان ، نقلت الحاضرين إلى أجواء سماوية، وكأنها كشفت لهم ما يجري في ملكوت الله. 

وأضاف أن المزامير المقدسة تتحدث عن الموسيقى والآلات التي تسبّح الله، معتبراً أن ما عاشه الحضور في هذه الأمسية كان انعكاساً لهذا التسبيح السماوي، وأن الطوباوي الحويك قادهم بروحه وسيرته إلى اختبار هذا الفرح الروحي.


وأشار غبطته إلى أن الإنسان، مهما ارتفع في خبرته الروحية، لا بد أن يعود إلى الأرض كما حدث في سرّ التجلي، إلا أن هذه العودة تكون محمّلة بنعمة جديدة ورسالة متجددة.

وقال: إنهم عادوا من هذه الأمسية بزخم روحي كبير، بفضل شهادة الطوباوي الحويك، وبفضل الأداء الراقي الذي قدّمته الأوركسترا، مؤكداً أن الطوباوي يبقى حاضراً بينهم، ويرافقهم في مسيرتهم نحو القداسة والرجاء.


وتوجّه البطريرك الراعي بالشكر العميق إلى المايسترو فازليان على جهوده وإبداعه ، وإلى أعضاء الأوركسترا وجميع العازفين على المستوى الفني والروحي الذي قدّموه، كما خصّ بالشكر الدكتورة هبة وكل من ساهم في تنظيم هذه الأمسية وإنجاحها، معرباً عن امتنانه لكل من عمل على إحياء هذه المناسبة التي تركت أثراً عميقاً في نفوس الحاضرين.


وختم غبطته بالقول إن العودة إلى الحياة اليومية أمر لا مفرّ منه، لكنها تكون عودة مختلفة بعد اختبار هذا اللقاء الروحي، تماماً كما عاد التلاميذ من جبل التجلي، حاملين نور الخبرة التي عاشوها ورسالتها.


#كسروان_أونلاين #كسروان #البطريركية_المارونية


البطريركيّة المارونيّة