لا يوجد قنفذ أملس.. لماذا يهرب الإنسان الحديث من الآخرين

لا يوجد قنفذ أملس.. لماذا يهرب الإنسان الحديث من الآخرين

: اختار البشر المعاصرون أن يعيشوا كقنافذ معزولة بضمان الأمن الفردي تحت ما يعرف بـ"المسافة الآمنة" (الجزيرة)

في عالم الحيوان تترجم السلوكيات وفق قاموس الغريزة والبقاء، ويأتي القنفذ في مقدمة هذه الحيوانات كحيوان عنصري، يرفض الاختلاط أو قبول الآخرين في دائرته، كما أنه راديكالي أحادي يمتلك رؤية فكرية واحدة وقاطعة ومتشددة وعامة وشاملة، يفسر بها كل شيء في العالم، تماما كالمفكرين والفلاسفة الأيديولوجيين الراديكاليين أمثال كارل ماركس ونيتشه وفوكو وتوماس هوبز وغيرهم، بالإضافة إلى أنه برجوازي طبقي يملك "منطقته الخاصة" ويدافع عنها بشراسة؛ لأنها أساس شرعيته.

أما عن الغطاء الشوكي الذي يكسو ظهره، فإنه يمثل تحديا فيزيائيا وبيولوجيا لأي كائن حي يحاول الاقتراب منه أو لمسه، وعلى رأسهم الإنسان، فهل يستطيع الإنسان أن يلمس سطح القنفذ؟ بالطبع "لا"، وهذا ما يجعل بيننا وبينه فاصلة زمكانية.


الفيلسوف هيغل كتب مرة يقول: لم يفهمني من البشر سوى واحد، وقد أساء فهمي هو الآخر!

حتى القنفذ نفسه لا يستطيع لمس قنفذ آخر بسبب الأشواك، وهذا ما يعرف بـ"معضلة القنفذ" للفيلسوف الألماني "أرتور شوبنهاور"، ومختصرها أن مجموعة من القنافذ في ليلة مثلجة وباردة، يدفعها الصقيع الشديد للدنو والاقتراب من بعضها طلبا للدفء، لكن حالما تحركت واقتربت من بعضها، فإن أشواكها تنغرس وتنزرع بعضها في بعض، مما يرغمها على أن تبتعد عن بعضها، فيقرصها البرد مرة أخرى، فترجع لتقترب تارة أخرى من بعضها، ولكن تمنعها الأشواك مجددا من الاستدفاء، وهكذا تتواصل المسألة بين وجع شك ونخس الأشواك، وعقاب وشقاء الزمهرير.

ومعضلة شوبنهاور تتجلى في الإنسان الحديث، حيث يعيش إنسان القرن الحادي والعشرين في مفارقة غريبة، فبينما لا يكتمل وجودنا ولا يتحقق إلا من خلال "الآخر"، نجد أن الإنسان الحديث صنع بنية صلبة وباردة وشائكة، يرفض من خلالها أي امتداد ثقافي أو اجتماعي لا يخدم فكرته المركزية، مما ولد شكلا من أشكال "عنصرية وراديكالية وأحادية القنفذ" تجاه كل ما هو مغاير.

فاختار البشر المعاصرون أن يعيشوا كقنافذ معزولة؛ بضمان الأمن الفردي تحت ما يعرف بـ"المسافة الآمنة"، لكنهم يدفعون الثمن بردا عاطفيا، واغترابا اجتماعيا، وتفتتا في النسيج الإنساني المشترك.

إن الإنسان الحديث قنفذ بطبعه، ولا يوجد قنفذ "أملس"، وكلما اقتربت من الذات الإنسانية المعاصرة، وجدت تلك المدببات الصغيرة تنغرس في لحمك.

وهذا هو تقنفذ الإنسان الحديث، الذي يسعى إلى الانكفاء الاجتماعي وتسطيح العلائقية، مع الأخذ بالاعتبار أن الإنسان بطبعه كائن سياسي "اجتماعي"، كما وصفه فيلسوف الواقعية أرسطو، لكن الإنسان الحديث أجبر الإنسان على مغادرة المجتمع هربا من برده، وولوجه في علاقة حميمة مع نفسه باحثا فيها عن الدفء؟! يهرب من حكم جائر يصدر بحقه، من تأطيره وتصنيفه داخل قالب سياسي جاهز، من اختزال تاريخه واغتيال مشاعره، وبدلا من عناء فهم تفاصيله، يضعه الآخرون في "علبة" أيديولوجية أو اجتماعية أو سياسية جاهزة.

الفيلسوف هيغل كتب مرة يقول: "لم يفهمني من البشر سوى واحد، وقد أساء فهمي هو الآخر!".

في عالم الإنسان الحديث هناك صخب لا يدفئ أحدا، لأنه استحال إلى كرة شوكية تحمل أشواكا مسمومة وسرائر خبيثة لا يبحث من خلالها عن الاستدفاء، وإنما عن نكز وغرس الأشواك لا غير!


لم يحدث ولو مرة واحدة أن وصفنا قنفذا بأنه خلوق! أو آخر على أنه صادق! بخلاف الإنسان القابل للملكات الأخلاقية، وعليه يوصف بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي

لقد أصبح البشر، على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأعراقهم وأجناسهم وأديانهم، متشابهين في كثير من مواطن القنفذة، بدءا باختفاء القيم، ومرورا بالخلافات الأيديولوجية والتناحرات السياسية، وانتهاء بغياب الإنسانية، وأصبح الأناسي كالقنافذ تختلف في طولها وعرضها وشكلها ووزنها وجلودها، ولكن تتشابه كلها في الأشواك على الإطلاق.

وإذا لم يتم ترميم وتصحيح البانوراما البشرية، فسنبقى كالقنافذ بانعزالية وبأيديولوجيا أحادية، فكما قال الفيلسوف السياسي "إشعياء برلين": "الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئا واحدا كبيرا".

وهنا نقع أمام تصنيفين للإنسانية الحديثة، فنجدها إما كثعلب، براغماتي تعددي يتكيف مع المتغيرات اليومية دون التزام بأيديولوجيا محددة.

أو كقنفذ، يمتلك رؤية فكرية واحدة، متعصب وصارم، يختزل العالم من منظور مركزي مطلق.

يبقى القنفذ حيوانا محايدا أخلاقيا، لأن أفعاله تحركها الغرائز الفطرية واحتياجات البقاء، ولا يمتلك الوعي الذاتي بالخطأ والصواب، لذلك لم يحدث ولو مرة واحدة أن وصفنا قنفذا بأنه خلوق! أو آخر على أنه صادق! بخلاف الإنسان القابل للملكات الأخلاقية، وعليه يوصف بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي.

لكن عندما يتصرف الإنسان بطريقة لا أخلاقية فإنه يصبح قنفذا، ولا يوجد قنفذ أملس!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

تلقّ تنبيهات وتحديثات فورية بحسب اهتمامك. كن أول من يعلم بالقصص المهمة