ضربة محتملة لإسرائيل في أوروبا... حلفاؤها قد يفقدون سلاح الفيتو

تتبلور داخل الاتحاد الأوروبي مبادرة قد تغيّر بصورة جذرية آلية اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية، وتثير قلقًا متزايدًا في إسرائيل، بعدما طالبت 11 دولة أوروبية بالانتقال من مبدأ الإجماع إلى التصويت بالأغلبية المؤهلة، بما قد يحرم إسرائيل مستقبلًا من الاعتماد على "فيتو" دولة واحدة لعرقلة عقوبات أو إجراءات أوروبية ضدها.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في "N12" الإسرائيلي، انضمت أكثر من ثلث دول الاتحاد الأوروبي إلى مبادرة تدعو إلى إعادة النظر في آلية اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية، حيث تقود ألمانيا وفرنسا الجهود الرامية إلى تقليص الاعتماد على الإجماع الكامل بين الدول الأعضاء.
ويعني الانتقال إلى الأغلبية المؤهلة أن دولة واحدة لن تتمكن في المستقبل من تعطيل قرار تدعمه غالبية الدول الأخرى، بعدما كانت كل واحدة من دول الاتحاد الـ27 قادرة حتى الآن على استخدام حق النقض ومنع أي قرار في ملفات السياسة الخارجية.
وتقول الدول الداعمة للمبادرة إن استخدام "الفيتو" خلال السنوات الماضية أدى في مناسبات عدة إلى شلل عمل الاتحاد على الساحة الدولية.
ووقعت على الرسالة كل من النمسا والدنمارك وبلجيكا وفنلندا وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وهولندا ورومانيا وإسبانيا والسويد، فيما تقود ألمانيا، أكبر دول الاتحاد، الدعوات إلى تغيير آلية اتخاذ القرارات الخارجية.
وأُرسلت الرسالة إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، وكشف مضمونها موقع "يورونيوز".
وأقرت الدول الموقعة بأن ثقافة التوافق بين الدول تشكل مصدرًا مهمًا لشرعية الاتحاد، لكنها اعتبرت أن هذا التوافق يجب أن يسمح بالعمل المشترك، لا أن يتحول إلى أداة تمنع التحرك وتشل قدرة الاتحاد.
وقالت الدول في رسالتها: "ثقافة الاتحاد القائمة على التوافق مصدر مهم لشرعيته"، لكنها حذرت من أنه إذا أدت هذه الثقافة إلى منع العمل المشترك، فقد يبقى الاتحاد محتفظًا بشرعيته من دون أن يمتلك قوة فعلية.
وتكتسب المبادرة أهمية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، إذ إن الجدل المتعلق بالسياسة الخارجية الأوروبية يشمل أيضًا ملفات مرتبطة بها.
ووفق تقرير "يورونيوز"، تعارض ألمانيا، على سبيل المثال، اشتراط الإجماع في القرارات المتعلقة بالتجارة مع المستوطنات الإسرائيلية.
ورغم أن ألمانيا تُعد واحدة من أبرز حلفاء إسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه، فإن الانتقادات الموجهة في برلين إلى أداء الحكومة الإسرائيلية تصاعدت خلال الفترة الأخيرة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، دعا مسؤولون ألمان إلى فرض عقوبات غير مسبوقة على وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، من بين أسباب أخرى، على خلفية قوله إنه "يجب إسقاط 30 إلى 40 شخصًا في غزة كل ليلة".
وفي حال اعتماد التصويت بالأغلبية المؤهلة، ستتراجع بصورة كبيرة قدرة دولة منفردة على تعطيل قرارات من قبيل فرض العقوبات باستخدام حق النقض.
إلا أن التقرير لم يجزم بأن تغيير الآلية سيؤدي بالضرورة إلى اتخاذ قرارات جديدة ضد إسرائيل، بل أشار إلى أن التأثير الأساسي سيكون في تغيير الطريقة التي يتخذ بها الاتحاد قرارات السياسة الخارجية.
وعلى مدى سنوات، استفادت إسرائيل من مظلة دبلوماسية داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تعهدت حكومة رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان بعرقلة قرارات تستهدف إسرائيل، فيما قد تؤدي الحكومة التشيكية حاليًا، وفق التقرير، دور "الفيتو التلقائي" نفسه لصالح إسرائيل.
وتأتي المبادرة بعد سنوات من الحالات التي استخدمت فيها دولة واحدة حق النقض لمنع قرارات كانت بقية الدول الأوروبية تؤيدها.
ويبرز مثال أوربان خصوصًا في الملف الأوكراني، إذ استخدم حق النقض مرارًا خلال 16 عامًا من حكمه للحصول على تنازلات والدفع بمصالح المجر.
وفي وقت سابق من هذا العام، عرقل أوربان قرضًا بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا كان قادة الاتحاد قد وافقوا عليه، وذلك على خلفية نزاع منفصل مع كييف يتعلق بخط أنابيب النفط "دروجبا".
وساهمت هذه الحادثة في تعزيز حجج المؤيدين للإصلاح، الذين يرون أن الاتحاد بحاجة إلى آلية تمنع دولة واحدة من شل قرارات الكتلة بأكملها.
وقدمت الدول الـ11 خمسة مبادئ ترى أنها يجب أن تحكم السياسة الخارجية للاتحاد، من بينها تعزيز التعاون بحسن نية والتضامن المتبادل، وزيادة استخدام "الامتناع البنّاء" عن التصويت بدل اللجوء إلى الفيتو، والامتناع عن ربط قرارات السياسة الخارجية بملفات لا ترتبط بها بصورة جوهرية.
كما دعت الدول إلى فحص الإمكانات التي تتيحها معاهدات الاتحاد للانتقال من التصويت بالإجماع إلى التصويت بالأغلبية المؤهلة.
غير أن المبادرة تواجه مفارقة أساسية، إذ إن ما يُعرف بـ"بند الانتقال" في معاهدات الاتحاد يسمح بدراسة التحول من الإجماع إلى الأغلبية المؤهلة، لكن إقرار هذا التحول نفسه يتطلب موافقة بالإجماع.
وبمعنى آخر، فإن الدول التي تريد إنهاء قدرة دولة واحدة على عرقلة القرارات تحتاج أولًا إلى موافقة جميع الدول، بما فيها تلك التي قد تخسر قوة "الفيتو" إذا تم إقرار التغيير.
ولهذا السبب، تدعو الدول الـ11 إلى إجراء مشاورات معمقة عند حصول خلاف بهدف الوصول إلى تسويات.
ولا تحظى المبادرة في الوقت الراهن بإجماع داخل الاتحاد، إذ أشار التقرير إلى أن الدول البلطيقية الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، لم توقع على الرسالة.
ويرى معارضو التغيير أن الانتقال إلى الأغلبية المؤهلة قد يضر بالشرعية الديمقراطية لقرارات الاتحاد، فيما تعتبر الدول الأصغر أن "الفيتو" يشكل أداة مهمة لحماية مواقفها ومصالحها في مواجهة الدول الكبرى.
في المقابل، يرى مؤيدو المبادرة أن التغيير سيتيح للاتحاد اتخاذ قرارات بصورة أسرع، ويمنع دولة واحدة من تعطيل تحرك الكتلة بأكملها.
وازداد الدفع في اتجاه الإصلاح بعد هزيمة أوربان، إذ يرى مسؤولون أوروبيون، بحسب "يورونيوز"، أن المرحلة الحالية تشكل نافذة فرصة مهمة لتغيير قواعد اتخاذ القرار داخل الاتحاد.
إلا أن هذه النافذة قد تُغلق إذا فازت مارين لوبان، التي تتبنى مواقف متشككة حيال الاتحاد الأوروبي، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أيار.
وحتى قبل الانتخابات الفرنسية، توجد عدة حكومات أوروبية تتخذ مواقف تصادمية مع الاتحاد وقد لا توافق على الخطوة، من بينها سلوفاكيا وتشيكيا ودول أخرى.
وفي موازاة ذلك، طرحت ألمانيا وفرنسا خطة لتعزيز موقع كايا كالاس بصفتها مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، مقابل إخضاعها بصورة مباشرة لإشراف رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
وفي حال نجحت المبادرة وانتقل الاتحاد فعلًا من الإجماع إلى الأغلبية المؤهلة، فإنها ستعيد رسم ميزان القوى داخل الاتحاد في ملفات السياسة الخارجية. وبالنسبة إلى إسرائيل، قد يعني ذلك تعرضًا أكبر لعقوبات وخطوات أكثر تشددًا، بعدما كان في إمكانها خلال السنوات الماضية الاعتماد على عدد محدود من الحلفاء لعرقلة القرارات الأوروبية، وهي معادلة قد لا تعود كافية إذا تغيّرت قواعد التصويت.