المؤتمر السنوي الثاني والثلاثين للمدارس الكاثوليكية في لبنان

كلمة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
في افتتاح المؤتمر السنوي الثاني والثلاثين للمدارس الكاثوليكية في لبنان
مدرسة سيدة اللويزة – الخميس 3 أيلول 2026
بموضوع: "مهنة المعلّم في زمن الذكاءات الجديدة: مهنة لإعادة اختراعها"
1. يسعدني أن أفتتح باسم مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، المؤتمر السنوي الثاني والثلاثين للمدارس الكاثوليكية في لبنان. فيطيب لي أن أحيّيكم جميعًا، وبخاصّة اللجنة الأسقفية والأمانة العامّة للمدارس الكاثوليكية في لبنان على تنظيم هذا المؤتمر، وأحيّي رئيس مدرسة سيدة اللويزة في زوق مصبح، شاكرًا على استضافة المؤتمر، الذي أتمنّى له النجاح.
I. مهنة المعلّم في زمن الذكاءات الجديدة.
2. مع الذكاءات الاصطناعية دخلنا زمنًا جديدًا تتسارع فيه المعرفة بصورة لم تعرفها البشرية من قبل، وتنتقل فيه المعلومة في لحظة، وتستطيع فيه الآلة أن تجمع النصوص، وتحلّل المعطيات، وتترجم اللغات، وتنتج الصور، وتجيب عن الأسئلة، وتقترح الحلول، وتكتب وتلخّص وتبحث. دخل الذكاء الاصطناعي حياتنا، فأصبح السؤال: كيف نستعمله، وكيف نربّي عليه، وكيف نجعله في خدمة الإنسان، من دون أن يصبح الإنسان في خدمته؟ وهنا تبدأ مسؤولية المدرسة، ويبدأ دور المعلّم. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي مهنة التعليم، بل يدعو إلى إعادة اختراعها.
المعلّم الذي كان بالأمس المصدر الأساسي للمعلومة، يجد نفسه اليوم أمام تلميذ يستطيع، في ثوانٍ، الوصول إلى كمية هائلة من المعلومات. ولذلك لم يعد كافيًا أن تكون وظيفة المعلّم أن يعرف أكثر من التلميذ، أو أن يعطيه ما يستطيع أن يجده بنفسه، بل أن يحوّل المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى فهم، والفهم إلى قدرة على التمييز والاختيار والإبداع.
لم يعد دور المعلّم محصورًا في نقل المعرفة، بل أصبح مؤتمنًا على تكوين الإنسان القادر على التعامل مع معرفة تكاد تصبح بلا حدود.
3. هذا التحوّل يفرض علينا أن ننتقل من تعليم يقوم أساسًا على تخزين المعلومات إلى تعليم يبني ملكة التفكير؛ ومن منهج يكدّس المواد إلى منهج ينمّي القدرة على الربط والتحليل والاستنتاج؛ ومن مدرسة تهيئ التلميذ للامتحان إلى مدرسة تهيئه للحياة ولعالم يتغيّر باستمرار. لذلك لا نستطيع أن نعدّ التلميذ للمستقبل بمناهج جامدة وبطرق تعليمية لا تتغير. فنقول بوضوح: الذكاء الاصطناعي لا يضع نهاية لمهنة المعلّم؛ بل يضع نهاية لصورة قديمة عن مهنة المعلّم. وهذا فرق كبير.
فإذا اختصرنا المعلّم بمن يعطي المعلومة، ستنافسه التكنولوجيا. أما إذا فهمنا المعلّم على أنه الذي يبني العقل، وينمّي الشخصية، ويوقظ الفضول، ويربّي على التمييز والمسؤولية، فإن التكنولوجيا نفسها تصبح أداة إضافية بين يديه. وهذا هو معنى إعادة اكتشاف مهنة المعلّم.
4. إننا لا نخاف الذكاء الاصطناعي. فالكنيسة لم تكن يومًا عدوّةً للعلم، ولا للتقدّم، ولا للعقل البشري. كل اكتشاف يمكن أن يكون نعمة عندما يوضع في خدمة الإنسان والخير العام. لكننا نحرص على ألا نتقدّم تقنيًا ونتراجع إنسانيًا، وألا تصبح مدارسنا أكثر ذكاءً وأقل حكمة، وأكثر اتصالًا وأقل تواصلًا، وأكثر سرعةً وأقل عمقًا.
لا يكفي أن نضع الحاسوب في الصف، أو أن نستعمل منصة جديدة، أو أن نسمح للطلاب باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، لكي نقول إننا دخلنا عصر التربية الحديثة. العصرنة ليست أجهزة. العصرنة تجديد في الفكر التربوي.
5. هكذا تبرز صورة المعلّم الجديد:
في زمن المعلومة، يصبح المعلّم معلّم الحكمة.
وفي زمن الأجوبة السريعة، يصبح معلّم الفهم والتمييز.
وفي زمن الشاشة، يصبح المعلّم حارس العلاقة الإنسانية.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، يصبح أكثر من أي وقت مضى معلّم الإنسان.
المعلّم بحاجة إلى تدريب مستمر، وإلى معرفة بهذه الأدوات التقنية، بقدراتها وحدودها ومخاطرها، وإلى تكوين تربوي وأخلاقي يمكّنه من استعمالها بطريقة واعية ومسؤولة. هذا التكوين لم يعد أمرًا إضافيًا أو اختياريًا. إنه جزء من مهنة المعلّم الجديدة. ينبغي أن يعرف المعلّم متى تساعده التكنولوجيا، وكيف يوظفها في إعداد الدرس وتنويع طرق الشرح، وجعلها وسيلة تفتح أمام الطالب أبواب البحث بدل أن تغلق أمامه باب التفكير.
II. رسالة المدرسة الكاثوليكية
6. إنّها لا تربّي عقلًا فقط، بل تربّي إنسانًا. والإنسان ليس ذاكرةً تختزن المعلومات، ولا دماغًا يحل المسائل، ولا رقمًا في نتائج الامتحانات. الإنسان عقل وقلب وضمير وإرادة وعلاقة ورسالة. فإن مسؤولية المدرسة هي أن تجعل طلابها قادرين على استعمال الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه أكثر قدرة على المحافظة على إنسانيتهم في عالم تزداد فيه قوة التكنولوجيا.
أيها المسؤولون عن التربية الكاثوليكية، إننا أمام فرصة كبيرة لإعادة بناء مفهوم المدرسة نفسها. فمدرسة المستقبل ليست المدرسة التي تملك أكبر عدد من التقنيات، بل المدرسة التي تعرف لماذا تستعملها، ومتى تستعملها، ولأي غاية. ليست المدرسة الحديثة هي التي تستبدل الكتاب بالشاشة، بل التي تستبدل التلقين بالتفكير، وجمع المعلومات ببناء المعرفة. وليست المدرسة المتقدمة هي التي تجعل التكنولوجيا محور التعليم، بل التي تعرف كيف تجعل التكنولوجيا في خدمة تعليم أكثر عمقًا وإنسانية.
نحن لا نريد مدرسة ضد التكنولوجيا، ولا مدرسة خاضعة لها. نريد مدرسة تقود التكنولوجيا تربويًا وأخلاقيًا وإنسانيًا. ونريد من مدارسنا الكاثوليكية أن تكون سبّاقة في هذا المجال؛ لا تخاف الجديد، ولا تنبهر به إلى حد فقدان هويتها. تستقبله، تفهمه، تميّز إمكاناته، وتحسن استخدامه، وتبقى أمينة لرسالتها في تكوين الإنسان كله. إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدنا على أن نعرف أكثر، أما التربية فعليها أن تساعدنا على أن نفهم أحسن ونكون أفضل.
الخاتمة
7. فلنُعِد اكتشاف مهنة التعليم، ولنُعصرن مناهجنا، ولنستثمر في معلّمينا قبل أن نستثمر في أجهزتنا. ولنعلّم أبناءنا كيف يستعملون الذكاء الاصطناعي بوعي وحرية ومسؤولية. ولنصنع مدرسةً تستشرف المستقبل ولا تخافه، تتقدم معه ولا تذوب فيه، وتتغير من أجله من دون أن تفقد رسالتها. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي مهنة التعليم، بل يدعونا إلى إعادة إبداعها، وتحويل هذا التطوّر إلى فرصة يعود فيها المعلّم إلى جوهر رسالته: كصانع إنسان، وباني عقل، ومرافق جيل، وحامل رسالة. ومسؤوليتنا أمام الأجيال القادمة أن نصنع تعليمًا جديدًا لزمن جديد، ونبقى أمناء للإنسان.
وفّقكم الله في مؤتمركم السنوي الثاني والثلاثين، وبارك مدارسنا الكاثوليكية، ومديريها ومعلّميها ومعلّماتها وطلابها، وحفظ رسالة التربية في لبنان، رسالة علم وثقافة وإيمان وإنسان.
عشتم! عاشت المدرسة الكاثوليكية! عاش لبنان!