الجزار" بطل قومي.. صربيا تلمع راتكو ملاديتش وتغضب أوروبا

الجزار" بطل قومي.. صربيا تلمع راتكو ملاديتش وتغضب أوروبا

بعد أكثر من 3 عقود على حرب البوسنة، تعود شخصية راتكو ملاديتش، القائد العسكري السابق لصرب البوسنة، لتفتح واحدا من أكثر ملفات البلقان حساسية، لكن هذه المرة من بوابة الذاكرة التي تركتها الحرب، والطريقة التي يعاد بها تقديم أحد أبرز قادتها العسكريين داخل صربيا.

فهذا (السفاح) الذي أدانته محكمة تابعة للأمم المتحدة بالإبادة الجماعية، شيعته صربيا بجنازة عسكرية أثارت اتهامات أوروبية لبلغراد بتمجيده، في وقت لا يزال يحظى فيه بالتبجيل لدى بعض الصرب، بينما تقدمه وسائل إعلام موالية للحكومة وجماعات قومية بوصفه "بطلا قوميا".


وتسلط صحيفتا إندبندنت وتايمز الضوء على هذا التناقض، وعلى ما يكشفه من صراع أوسع بشأن إرث حرب البوسنة، وحدود المصالحة مع الماضي، وتأثير ذلك في علاقة بلغراد بأوروبا.

Serbian national military servicemen fire a three-volley salute during the funeral of former Bosnian Serb army commander Ratko Mladic, who died last week while serving a life sentence for genocide and other atrocities during the war in Bosnia, at the Topcider Cemetery, in Belgrade, Serbia, Monday, Sept. 7, 2026. (AP Photo)التحية العسكرية خلال جنازة ملاديتش التي أثارت اتهامات أوروبية لبلغراد بتمجيده (أسوشيتد برس)

تكريم عسكري

الشهر الماضي، توفي ملاديتش -المعروف بـ"جزار البوسنة" لدوره في تدبير مجزرة سربرنيتسا التي قتل فيها ما لا يقل عن 8 آلاف مسلم- عن 84 عاما بعد إصابته بعدة سكتات دماغية خلال قضائه عقوبة في سجن تابع للأمم المتحدة في لاهاي.

وتشير "إندبندنت" إلى أن جثمانه نقل إلى بلغراد على متن طائرة حكومية، ولف نعشه بالعلم الصربي قبل أن يتولى جنود نقله، في مشهد دفع المفوضة الأوروبية لشؤون التوسع مارتا كوس إلى اتهام صربيا بتمجيده وإلغاء زيارة كانت مقررة إلى البلاد.

كما أُتيح للجمهور -وفق التقرير- إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان ملاديتش في بلغراد أمس الاثنين، رغم تحذيرات الاتحاد الأوروبي من السماح بالتمجيد العلني لشخص أدين في أول قضية إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وكان وزير العدل الصربي نيناد فويتش قد أعلن بعيد وفاة ملاديتش أن القائد السابق لصرب البوسنة سيحظى بـ"كافة المراسم العسكرية والرسمية التي يستحقها" خلال جنازته.


وفي ظل الانتقادات الأوروبية للمراسم، شددت مفوضة شؤون التوسع على أن "القيم التي يقوم عليها مستقبلنا المشترك غير قابلة للتفاوض" مضيفة "وفي هذا السياق، قررت عدم المضي قدما في زيارتي المقررة لصربيا في الوقت الراهن" وذلك في وقت تسعى فيه بلغراد إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

FILE - Bosnian Serb General Ratko Mladic speaks to soldiers near the Bosnian town of Cazin, Sept. 4, 1994. (AP Photo/Radivoje Pavicic, File)قوات صرب البوسنة بقيادة ملاديتش ارتكبت جرائم التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال وحصار سراييفو (أسوشيتد برس)

إرث الجرائم

ويستعيد أنتوني لويد المراسل الخاص لصحيفة تايمز إرث ملاديتش خلال حرب البوسنة، مشيرا إلى أن مجزرة سربرنيتسا بدأت عندما حاول نحو 12 ألف شخص، بينهم جنود من مسلمي البوسنة وآلاف المدنيين العزل، الفرار من سربرنيتسا، التي كانت منطقة آمنة تحت حماية الأمم المتحدة، بينما كانت قوات صرب البوسنة بقيادة ملاديتش تسيطر عليها.

ويضيف لويد -في مقال نشرته الصحيفة- أن الفارين حاولوا عبور خطوط القوات الصربية للوصول إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة البوسنية، لكنهم تعرضوا لكمائن وقصف على طول الطريق، فيما أعدم جميع من استسلموا.

ولم تقتصر جرائم قوات صرب البوسنة بقيادة ملاديتش على سربرنيتسا، إذ شملت التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال والاغتصاب والمجازر، فضلا عن حصار سراييفو.

ففي العاصمة البوسنية، عاش السكان لأكثر من 3 سنوات تحت حصار قوات ملاديتش، يتنقلون في الشوارع والأزقة بحثا عن الطعام والماء، بينما كانوا عرضة لنيران القناصة الصرب والمدافع المضادة للطائرات وقذائف الهاون والمدفعية الثقيلة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أدانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة ملاديتش بالإبادة الجماعية، إلى جانب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة، وفق المقال.

A man walks past a mural depicting former Bosnian Serb military chief Ratko Mladic, who is due to be buried at Belgrade's Topcider Cemetery on September 7, 2026, amid EU criticism over the "glorification" of a war criminal convicted of genocide, in Belgrade on September 6, 2026.

وبعد 31 عاما على مجزرة سربرنيتسا، يرى لويد أن طمس جرائم ملاديتش جاء بمرور الوقت، في حين احتشد فيه آلاف المشيعين لـ"تكريمه" خلال جنازته في بلغراد.

ويلفت الكاتب إلى أن ملاديتش ظل "بطلا" لدى بعض الصرب، إذ ارتبطت ذكراه لديهم بإحساس بالهوية القومية أدى -وفق رؤيته- إلى قلب مفاهيم الضحية والجاني، والبطل والمجرم.

أما لدى آخرين من الصرب، فيرى لويد أن هناك "تجاهلا متعمدا ومريحا" لحقائق التاريخ الحديث، معتبرا ذلك امتدادا للامبالاة التي سمحت لسائقي شاحنات نقل الأخشاب الصرب بسحق رفات المسلمين الذين قتلوا في سربرنيتسا وخلطها بالوحل.

وفي المقابل، نقلت "إندبندنت" عن كوس قولها إن مظاهر التمجيد التي أحاطت بوفاة ملاديتش "لا تتوافق" مع القيم التي يقوم عليها مسار صربيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن هذا المسار يتطلب "مواجهة الماضي، وتحقيق مصالحة حقيقية، واحترام ضحايا جرائم الحرب".

وتسعى صربيا منذ سنوات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إذ تقدمت بطلب العضوية عام 2009، وحصلت على صفة دولة مرشحة عام 2012، قبل أن تبدأ مفاوضات الانضمام عام 2014.

وقد خلّفت حرب البوسنة، التي امتدت بين عامي 1992 و1995، نحو 100 ألف قتيل، فضلا عن تهجير 2.2 مليون شخص، وظل ملاديتش متواريا عن الأنظار 16 عاما قبل القبض عليه عام 2011 وتقديمه للمحاكمة في لاهاي.



المصدر: إندبندنت + تايمز

تلقّ تنبيهات وتحديثات فورية بحسب اهتمامك. كن أول من يعلم بالقصص المهمة