بعد نشر أخبار تناولته... شكوى من الرئيس ميشال عون

بعد نشر أخبار تناولته... شكوى من الرئيس ميشال عون

عون أمام مسار قضائي معقّد في ملف المرفأ.. هل يمكن ملاحقته بعد الرئاسة؟


دخل اسم الرئيس السابق ميشال عون مجدداً إلى صلب التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، بعد مذكرة قانونية من النيابة العامة تناولت مسؤوليته المحتملة على خلفية معرفته بوجود نترات الأمونيوم وخطورتها وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة، وسط تضارب في الروايات حول ما إذا كانت المذكرة طلبت فعلاً اتهامه أم اكتفت بعرض هذه المسؤولية.


المذكرة التي أعدّها المحامي العام لدى محكمة التمييز القاضي محمد صعب، وتقع في 270 صفحة، أُحيلت إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار بعد انتهاء الأخير من أعماله التحقيقية وإحالة الملف إلى النيابة العامة في 30 آذار. القضية تشمل نحو 70 شخصاً بين مسؤولين سياسيين وأمنيين وعسكريين وموظفين، فيما لا تُعد مذكرة النيابة قراراً اتهامياً بحد ذاتها، بل تمهّد أمام البيطار لاتخاذ قراره بشأن المسؤوليات والاتهامات. 


الرواية الأولى جاءت عبر وكالة «فرانس برس»، التي نقلت عن مسؤول قضائي أن النيابة طلبت من البيطار اتهام عون، باعتبار أنه كان يعلم بوجود نترات الأمونيوم في المرفأ وبخطورتها ولم يتخذ التدابير اللازمة. لكن مصدراً قضائياً تحدث إلى «Arab News» نفى أن تكون المذكرة قد طلبت صراحةً اتهام الرئيس السابق، موضحاً أنها تناولت معرفته بالمواد وعدم تحركه المزعوم. 


عون تحرك بدوره أمام النيابة العامة التمييزية، مقدماً شكوى ضد مجهولين وكل من يظهره التحقيق، عبر وكيله وديع عقل، الذي اتهم من يقف خلف التسريبات بارتكاب جرائم القدح والذم والافتراء والتحقير وإفشاء سرية التحقيق ونشر الأكاذيب. عون وصف ما نُشر بأنه «شائعات تحت غطاء تسريبات قضائية» ومحاولة لصناعة إدانة إعلامية خارج القضاء، فيما أكد عقل أن موكله كان، عند وقوع الانفجار، رئيساً للجمهورية وحامياً للدستور ومتمسكاً بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.


لكن أي ملاحقة محتملة لعون تصطدم بسؤال دستوري أساسي يتعلق بالجهة التي تملك صلاحية اتهام رئيس الجمهورية عن أفعال ارتُكبت خلال ولايته. ووفق التفسير الذي عرضه المصدر القضائي، لا يملك المحقق العدلي أو النائب العام التمييزي توجيه اتهام مباشر إلى رئيس الجمهورية، سواء كان في منصبه أو أصبح رئيساً سابقاً، إذ يفترض أن تمر الملاحقة عبر الآلية الخاصة المنصوص عليها دستورياً.


المادة 60 من الدستور تنص على عدم مسؤولية رئيس الجمهورية عن الأعمال التي يقوم بها أثناء ممارسة مهامه، باستثناء خرق الدستور والخيانة العظمى، بينما تخضع الجرائم العادية التي يرتكبها خارج مهامه للقوانين العامة. كما تتيح اتهامه بأغلبية الثلثين من مجموع أعضاء مجلس النواب، على أن تتم محاكمته أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. غير أن النص لا يتناول صراحةً وضع الرئيس السابق، ما يترك مسألة تطبيق هذه الآلية على أفعال أو امتناعات حصلت خلال الولاية الرئاسية وتُثار قضائياً بعد انتهائها أمام التفسير القانوني. 


المصدر القضائي أوضح أن مذكرة النيابة ليست ملزمة للبيطار، وأن أي قرار باتجاه تحميل عون المسؤولية يفترض، وفق هذا التفسير، إحالة الملف إلى مجلس النواب عبر النيابة العامة التمييزية. كما أكد أن البيطار لم يوجه حتى الآن اتهاماً إلى عون.


هذا التفسير تؤيده المحامية سيسيل روكز، التي تمثل عائلات من ضحايا الانفجار، معتبرةً أن الآلية الدستورية لا تسمح للبيطار باتهام عون مباشرة. روكز أشارت أيضاً إلى أن معلومات عن معرفة عون بوجود المواد وخطورتها كانت قد ظهرت خلال مراحل سابقة من التحقيق، لكنها فرّقت بين استعداد الرئيس السابق للإدلاء بشهادته وبين إخضاعه لإجراءات الملاحقة الجزائية. 


عائلات الضحايا لم تتبنَّ حتى الآن موقفاً علنياً من مذكرة النيابة، بانتظار قرار البيطار بشأن الاتهامات. أما روكز فتوقعت، من موقع متابعتها للملف، صدور القرار الاتهامي خلال شهر كحد أقصى، موضحةً أن هذا التوقيت يمثل تقديراً شخصياً وليس مهلة قضائية محددة. 


مذكرة النيابة لم تتوقف عند وضع عون، بل تناولت أيضاً الملاحقات المتعلقة بعدد من القضاة في الملف، بحسب المصدر القضائي، الذي أشار إلى اعتبار النيابة أن محاكمة القضاة المتهمين يجب أن تتم أمام المرجع القضائي الخاص بهم. وفي المقابل، سبق للبيطار أن استجوب أو حاول استجواب مسؤولين سياسيين وأمنيين وعسكريين بارزين، بينهم حسان دياب ونهاد المشنوق وجان قهوجي وعباس إبراهيم وطوني صليبا، إلى جانب علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس وآخرين اعترضوا على صلاحياته أو رفضوا المثول أمامه. 


التحقيق نفسه قطع مساراً طويلاً من التعطيل والمواجهات القضائية والسياسية. البيطار استأنف عمله في كانون الثاني 2025 بعد توقف استمر نحو عامين، بعدما كان قد حاول استكمال التحقيق في 2023 قبل أن يتعطل مجدداً. وفي آذار 2026، أُعلن أنه أنهى التحقيق وأحال الملف إلى النيابة العامة لإبداء الرأي تمهيداً لعودته إليه وإصدار القرار الاتهامي. 


انفجار 4 آب 2020، الذي دمّر أجزاء واسعة من بيروت وأودى بحياة أكثر من 200 شخص وأصاب نحو 6,500، وقع بعد اندلاع حريق في مستودع كانت تُخزّن فيه كميات ضخمة من نترات الأمونيوم. ورغم مرور أكثر من ست سنوات، لم تُحسم المسؤوليات القضائية عن الكارثة حتى الآن، فيما لا يزال الملف عالقاً بين الإجراءات القضائية والاعتراضات القانونية والتفسيرات الدستورية. 


التطور الأخير لا يعني، بالتالي، أن عون أصبح متهماً في القضية، بل يضع مسؤوليته المحتملة أمام مرحلة قانونية جديدة، يبقى مسارها مرتبطاً بمضمون مذكرة النيابة وقرار البيطار، وبالآلية الدستورية التي ستحدد الجهة المخولة باتخاذ أي إجراء بحقه.