المنتدى اللبناني ــ السوري للاستثمار: خطابات... خطابات

«النجاح لا يُقاس بعدد الاتفاقيات التي نوقّعها أو بعدد المؤتمرات التي نعقدها، بل بالمشاريع التي تبدأ والاستثمارات التي تأتي، والشراكات التي تتوسّع، وفرص العمل التي تُخلق». بهذا المعيار الذي وضعه رئيس «إيدال» ماجد منيمنة، يمكن اختصار الكثير مما قيل في «المنتدى اللبناني ــ السوري للاستثمار». وربّما كان هذا تحديداً ما يُفترض أن يُبنى عليه المنتدى. إلا أن وقائع الجلسات تشي بأمر مختلف.
فبدلاً من المشاريع المُحدّدة والاستثمارات الجاهزة ومسارات التنفيذ، كان هناك الكثير من الصور التذكارية مع ما وصفه وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار بأنه «أوسع وفد حكومي سوري ذهب إلى لبنان من التحرير»، وإعادة سرد لمشاكل معروفة في العلاقة اللبنانية ــ السورية، من الوضع السياسي والأمني إلى المعابر والترانزيت والقيود التجارية والتمويل والضمانات والبيئة القانونية. بدا المؤتمر كأنه مناسبة لمباريات خطابية أكثر خارج أي إطار لرؤية واضحة وأساس متين لهذه العلاقات.
لم يتّضح في المؤتمر ما الذي يريده لبنان اقتصادياً من سوريا، وما الذي تريده سوريا من لبنان، وما المصالح التي يُفترض أن تجعل «التكامل» مفيداً للطرفين، أبعد من عنوان عام مفاده أن سوريا تحتاج إلى الاستثمارات وأن على القطاع الخاص اللبناني أن يبحث عن حصته فيها.
في حفل الافتتاح حيث أُلقيت خطب رنانة، بدأت جلسات فضفاضة عن «التكامل» وسلاسل القيمة والفرص في مختلف المجالات. بقيت المسافة واسعة بين الفرص المطروحة والمشاريع الجاهزة لوضع المال فيها. وربما جلّ ما كان مفهوماً بشكل لا لبس فيه أنّ على القطاع الخاص أن يسبق الدولتين. فأكثر من أربعين اتفاقاً وبروتوكولاً لا تزال قيد المراجعة، فيما المعابر والشاحنات والترانزيت والمواصفات والفحوصات والقيود على التجارة وتنقّل رجال الأعمال كلها ملفات قيد العمل.
والأغرب أن هذا التناقض ورد في كلمة وزير الاقتصاد عامر البساط نفسها. فقد حدّد دور الحكومات بـ«فتح الطريق أمام النشاط الاقتصادي» وإزالة العوائق وتوفير إطار قانوني واضح ومستقر، ثم دعا المستثمر اللبناني إلى درس الفرص والبحث عن المشاريع وإبلاغ الحكومتين بـ«العوائق والضمانات والإجراءات» التي يحتاج إليها، لتعملا على معالجتها ضمن الأطر الرسمية التي «بدأنا بإنشائها». بمعنى آخر، على المستثمر أن يسلك الطريق أولاً، ويحدّد عوائقها، ثم ينتظر من الدولة أن تزيلها.
ولا يأتي هذا الطلب في لحظة يملك فيها رأس المال اللبناني ترف التجربة. لبنان خرج من حرب بعد سنوات من الانهيار المالي والمصرفي، ولا تزال حاجاته إلى إعادة الإعمار والاستثمار والتمويل كبيرة. ومن بقي لديه رأس مال قابل للتوظيف لا يجلس فوق فائض يبحث عن سوق لتصريفه، بل أصبح الحفاظ على أمواله واستردادها جزءاً أساسياً من أي قرار استثماري.
مع ذلك، بدا لبنان في جزء كبير من خطاب المنتدى حاضراً أساساً بما يستطيع أن يحمله إلى سوريا من رأس مال وخبرات وخدمات وشبكات أعمال. فيما غاب تقريباً ما الذي تضيفه هذه العلاقة إلى الاقتصاد اللبناني نفسه، أبعد من أرباح المستثمر الفرد. فبعد أن يذهب المستثمر ويضع أمواله ويجني عائده، ماذا يعود على لبنان واقتصاده ومواطنيه من «التكامل» الموعود؟
وظهر التناقض بوضوح عند طرح الرسوم والإجراءات الجمركية السورية. الردّ كان أنها ليست موجّهة ضد لبنان، بل تأتي ضمن سياسة عامة لحماية الصناعة السورية. وهذا مفهوم من زاوية المصلحة السورية، لكنه يكشف حدود خطاب «التكامل». فعندما يتعلق الأمر بجذب رأس المال، يصبح لبنان الشريك الأقرب والمطلوب منه أن يكون من أوائل الداخلين. أمّا عندما يتعلق الأمر بالرسوم والقيود وحماية السوق، فلا معاملة خاصة تُترجِم هذه العلاقة، وعليه أن ينتظر حتى تستعيد سوريا عافيتها وكأنّ لبنان بألف خير.
ولا يعني التكامل أن تتخلّى سوريا عن حماية صناعتها لمصلحة لبنان، كما لا يعني أن يرسل لبنان رساميله إلى سوريا لمجرّد أنه جارها. لكل طرف مصلحته، والعلاقة الخاصة لا تُقاس بحرارة الدعوة إلى الاستثمار، بل بما تقدّمه فعلياً للطرفين. حتى الشعار أقرّ بأن الجغرافيا وحدها لا تصنع تكاملاً، وأن المطلوب قواعد واضحة ومؤسسات موثوقة ومعابر فعّالة ومصارف تموّل التجارة، فيما سوريا نفسها لا تزال تعمل على تطوير بيئتها التشريعية والمؤسساتية وإصلاح القطاعين المالي والمصرفي.
وهنا تصبح كثرة الحديث عن «الفرص» أقلّ أهمية من غياب المشروع الجاهز. فالمستثمر لا يحتاج إلى مؤتمر ليعرف أن بلداً خرج من حرب يحتاج إلى طاقة ومصانع ونقل ومستشفيات وبنى تحتية، بل إلى سبب اقتصادي يجعله يضع أمواله هناك، في وقت يحتاج إليها اقتصاده هو أيضاً.
زينب بزي