في يد السلطة حيلة الاتحاد العمّالي لتنفيس الاحتقان

يبدو أنّ الإشارة قد أعطيت للبدء ببعض «الاستعراضات» أمام الشعب. وهنا لا نتكلم عن استعراضات على المستوى الرسمي، بل على المستوى النقابي والشعبي. ففجأة بدأت بعض القطاعات والنقابات تحذّر من التصعيد والتحرك في الشارع، وكأنّ «أخبار» الغلاء وصلت متأخرة بضع سنوات إلى مسامعهم. وكأنّ الأزمة لم تتراكم منذ عام 2019. لا يوجد مبرّر آخر لكل ما يجري اليوم من زيارات رسمية وتسريبات وبيانات عن تحرّكات في الشارع للإضراب.
آخر الاستعراضات، جاء من الاتحاد العمالي العام. ففي 21 أيلول الجاري، عقدت هيئة مكتب مجلسه التنفيذي اجتماعاً استثنائياً، خرج بعدها رئيس الاتحاد بشارة الأسمر ليعلن «حال طوارئ اقتصادية»، مستنكراً «الفلتان» في أسعار المحروقات والمواد الغذائية، ومطالباً بتصحيح الأجور وبدل النقل والمنح والتعويضات، وداعياً إلى اجتماع في 26 أيلول الجاري للبحث في إضراب تحذيري واعتصامات وتحركات. لعلّ الاتحاد لم يكن واعياً عندما سُجّل انهيار شامل في المداخيل وسُرقت المدخرات اعتباراً من عام 2020. لكن ما الذي استجدّ فعلاً؟ هل هذه أول مرة ترتفع فيها أسعار المحروقات؟ هل انهارت القدرة الشرائية فجأة الآن؟ وهل احتاج الاتحاد إلى سبع سنوات من الأزمة ليكتشف أن الأجر لم يعد يكفي للعيش؟ وهل من المُفترض أن يصدّق الشعب بعد كل هذا الوقت هذه «التمثيليات»؟
المفارقة أن المشكلة ليست في أن النقابات لم تتحرك. لقد تحرّكت مراراً، وأعلنت إضرابات واعتصامات وقطعت طرقاً وهدّدت بالتصعيد. المشكلة في ما كان يحصل بعد كل تحرّك تقريباً. تبدأ الاتصالات، يدخل ممثلو القطاع إلى مكتب وزير أو رئيس، يحصلون على وعد أو زيادة أو مساعدة، فيُعلّق التحرك ويعود الجميع إلى منازلهم. تبقى المشكلة. ترتفع الأسعار أكثر. ثم تعاد الكرّة بإخراج مختلف. وهكذا يعاد «المسلسل» الرديء نفسه. وربما هذا ما تحاول السلطة إعادة إنتاجه اليوم، عبر تحريك أدوات وصولها إلى الشارع لإطفاء الغضب وامتصاص النقمة وتنفيس الاحتقان الشعبي الذي يزداد يوماً بعد يوم.
ما حصل مع قطاع النقل قبل أشهر نموذج واضح. حينذاك، فرضت الحكومة في شباط رسماً بقيمة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، ارتفع صوت اتحادات النقل وبدأ الحديث عن التحرك. لكن بعد أيام، جلس المعنيون مع رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المال ياسين جابر، بحضور العمالي العام، وخرجوا باتفاق يقضي بدفع 12 مليون ليرة شهرياً للسائقين العموميين الشرعيين العاملة سياراتهم على البنزين. إلا أن التعويض نفسه لم يُدفع والرسم لم يُلغَ، فقط تم ترويض التحرك لكي لا يشكل «ضغطاً نفسياً» يفوق قدرة السلطة على تحمله.
ما الذي استجدّ فعلاً؟ هل انهارت القدرة الشرائية فجأة الآن؟
والمشهد نفسه يتكرّر في القطاع العام. ففي كل مرة يُعلن الإضراب، يتحرك الموظفون قليلاً، ثم يجتمع ممثلوهم مع أصحاب الشأن ويُوعدون بعدة رواتب إضافية، فيرضخون ويعودون أدراجهم، تاركين من هم خارج القطاع العام لمصيرهم، على قاعدة «اللهم نفسي».
والعسكريون المتقاعدون ليسوا خارج هذه الحلقة. ففي 9 أيلول الجاري نزلوا مجدّداً إلى الشارع وقطعوا طرقاً احتجاجاً على مشروع موازنة 2027 وعدم تصحيح معاشاتهم. وفي الوقت نفسه، جلس ممثلوهم مع نائب رئيس الحكومة ووزراء الداخلية والدفاع والمالية. انتهى الاجتماع بإقرار المسؤولين بحقوقهم والاتفاق على احتساب الكلفة المطلوبة لإدراجها في الموازنة، فأطفأوا الإطارات المشتعلة سريعاً وانسحبوا بهدوء.
وهكذا تدور الدائرة. يهبّ العسكريون عندما تصبح معاشاتهم غير كافية، يضرب موظفو الإدارة، يتحرك الأساتذة، ويهدد السائقون عندما ترتفع كلفة البنزين. ثم تتعامل السلطة مع كل فئة وحدها. فبدلاً من أن يتحول انهيار الأجور والقدرة الشرائية إلى قضية اجتماعية واحدة، يجري تفتيتها. للعسكريين ملفهم، وللموظفين ملفهم، وللأساتذة ملفهم، وللسائقين ملفهم. وكل فئة تفاوض وحدها على حصتها من الانهيار.
هذا التفتيت، ليس صدفة ولا قدراً، بل هو من تخطيط السلطة نفسها. فهذا الأمر الوحيد الذي يسهّل عليها السيطرة على الاعتراضات بالمُفرّق. فهكذا لا تضطر إلى مواجهة كتلة اجتماعية واحدة تطالب بسياسة أجور تحمي الجميع، بل تستدعي كل مجموعة إلى غرفة منفصلة، وما إن تحصل فئة على ما يكفي لإبعادها عن الشارع حتى تنفصل عملياً عن بقية المتضررين.
وهذه ليست مجرّد قراءة في التحرّكات الأخيرة.
في ورقة سياسات صادرة عن منتدى البدائل العربي للدراسات عام 2023 بعنوان «النقابات والعمل السياسي في لبنان»، تشير الباحثة زينب سرور، إلى «سطوة الأحزاب السياسية التقليدية والطائفية على النقابات المهنية والعمالية وبالتالي على الاتحاد العمالي العام». والأهم أنها تشير إلى «تباين المصالح بين القطاعات نفسها وتركيزها على الحلول القطاعية، بينما الأزمة أصبحت شاملة وعامة»، معتبرة أن الحلول القطاعية تبقى آنية وقد تولّد أزمات لاحقة. لكن من يبقى في الخارج؟ كل من لا يملك نقابة تستطيع إقفال مرفق، أو رابطة تستطيع تعطيل إدارة، أو سيارات عمومية تستطيع قطع طريق. هؤلاء لا يدخل وفد باسمهم إلى السراي ولا يحصلون على «مساعدة مؤقتة» تعيدهم إلى البيت. هم يدفعون ارتفاع البنزين والنقل والخبز والغذاء والكهرباء، ويشاهدون كل فئة تفاوض وحدها على تعويضها.
يُذكر أنّ الغلاء ليس جديداً. فمنذ صيف 2023 وحده، ارتفعت الأسعار بشكل تراكمي بنحو 77.3%، أي إن ما كان يحتاج إلى 1000 دولار لشرائه آنذاك، بات يحتاج إلى نحو 1770 دولاراً اليوم. وفي عام 2019 كانت صفيحة البنزين بنحو 25 ألف ليرة، وصولاً إلى نحو 2.8 مليون ليرة اليوم. أمّا ربطة الخبز التي كانت تباع بنحو 1500 ليرة في ذلك الوقت، فإن سعرها وصل إلى 100 ألف ليرة بالتوازي مع انخفاض وزنها. ومع كل محطّة كان هناك من يحذّر من «الانفجار الاجتماعي»، ثم تلعب السلطة لعبتها، فيُؤجّل «الانفجار» حتى إشعار آخر.
زينب بزي