ليالي الشمال الحزينة"… حين عاد اللحن من حافة الغياب

من أكثر الحكايات الإنسانية تأثيرًا في مسيرة عاصي الرحباني تلك التي ارتبطت بأغنية «ليالي الشمال الحزينة»، الأغنية التي جاءت بعد واحدة من أقسى المحن في حياته.
في 26 أيلول 1972، أصيب عاصي الرحباني بنزيف حاد في الدماغ، وخضع لعملية جراحية دقيقة أنقذت حياته. كانت الإصابة قاسية إلى حدّ أنها أثّرت في قدرته على الكتابة والتعامل مع الحروف والنوتات، واحتاج بعدها إلى فترة من إعادة التأهيل والتعافي.
لكن عاصي لم يبتعد طويلًا عن عالمه.
بعد تعافيه، عاد إلى التلحين، وكانت «ليالي الشمال الحزينة» أول لحن يضعه بعد مرضه، وقد ظهرت ضمن مسرحية «المحطة» التي عُرضت سنة 1973 على مسرح البيكاديللي في بيروت.
واللافت أن بعض الروايات عن تلك المرحلة تذكر أنه، بعد نحو ثلاثة أشهر من أزمته الصحية، أمسك بالبزق أمام فيروز ومنصور وآخرين، وبدأ يدندن اللحن الذي سيصبح لاحقًا «ليالي الشمال الحزينة». وتذكر رواية أخرى أن ذلك حدث في 10 كانون الأول 1972، أي بعد فترة قصيرة من العملية.
كأن الموسيقى كانت الطريق الذي يعرفه عاصي جيدًا للعودة إلى الحياة.
وفي كلمات الأغنية، يمرّ إحساس واضح بالغياب والخوف من أن يفصل الفراق بين الأحبة:
«وبحبك ع طريق غياب
بمدى لا بيت يخبّينا ولا باب
خوفي للباب يتسكر شي مرة بين الأحباب»
لم تكن هذه الكلمات مجرد حكاية عابرة في مسرحية؛ فقد حملت، بالنسبة إلى كثيرين، ظلّ تلك المرحلة القاسية التي مرّ بها عاصي، والخوف الإنساني من الغياب والفراق.
ثم تأتي الجملة التي بقيت عالقة في الذاكرة:
«ضلّي اذكريني…
ويسأل عليّي حبيبي
بليالي الشمال الحزينة»
هكذا عادت الموسيقى إلى عاصي بعد أن كاد المرض ينتزع منه القدرة على الكتابة.
وعادت فيروز تغنّي.
وعاد هو إلى عالمه.
لذلك، حين نسمع «ليالي الشمال الحزينة» اليوم، ربما لا نسمع أغنية فقط، بل نسمع شيئًا من حكاية رجلٍ واجه الغياب، ثم عاد منه باللحن.