سياق الحرب على إيران

سياق الحرب على إيران

هل يحمل أكتوبر مفاجأة في سياق الحرب على إيران؟

بقي شهر على الانتخابات النصفية، وبعدها من "الممكن" عودة التصعيد الأميركي وتوسيعه ضد إيران، كما قال الرئيس ترامب في مقابلة مع مجلة "تايم". وفي الوقت ذاته، تحشد الإدارة المزيد من القدرات العسكرية في المنطقة، إذ توجّهت إليها حاملة طائرات ثالثة، مع نحو 10 آلاف جندي إضافي. ويأتي ذلك على خلفية تعثر التحرك الدبلوماسي في نيويورك، والذي اتهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إيران بإفشاله.


وسبق ذلك تهديد مبطّن من الرئيس ترامب، الذي قال إنه بات أمام "قرار كبير" بخصوص إيران. ثم عاد أمس الجمعة إلى التهديد بـ"ضربة قوية جداً" إذا ثبت ضلوع طهران في الاعتداء على طيار رحلة "فلاي دبي" المتجهة إلى إسرائيل. وفي المساء، كرر مثل هذا الكلام، ولو بصورة ملتوية، حين قال في تجمّع انتخابي بولاية ألاباما إن التصعيد "محتمل، ربما بعد الانتخابات"، مع تطمينه الأميركيين بأن الأمور ستعود إلى سابق عهدها بعد هذا الاستحقاق. تزامن كل ذلك مع إعلان وزير الحرب بيتر هيغسيث خفض عدد كبار ضباط الجيش الأميركي بنسبة 20%.


مخاطبة البيت الأبيض لإيران بلغة يصعب فك طلاسمها ليست بالأمر الجديد. لكن عندما تتكثف الإشارات الملتبسة إلى هذا الحد، وتأتي في ظل وصول الضغوط إلى أقصاها، تنفتح احتمالات المفاجأة من جديد، أو ربما التحضير للرد على مفاجأة إيرانية غير مستبعدة. والمفاجآت مشهورة في شهر أكتوبر، وكان لبعضها تأثير في مجرى الانتخابات الأميركية. وهو احتمال ورد في بعض القراءات، ولو على سبيل التحسّب لما ليس في الحسبان. وما يجعل مثل هذا الاحتمال قائماً أن "التعايش مع الوضع على ما هو عليه" لمدة أطول صار أمراً متعذراً، لا يقوى أي من الطرفين على تحمّله.


خسائر الرئيس ترامب السياسية تهدد الجمهوريين بهزيمة انتخابية كبيرة، ووضع إيران الاقتصادي صار من العيار الخانق، حسبما تشير إليه الأرقام. أما اندفاع الحوثيين إلى الجزر المطلة على باب المندب أخيراً، فرأى فيه مراقبون ما يشبه المفاجأة الإيرانية الرامية إلى رسم توازنات جديدة في المنطقة، يمكن توظيفها كأوراق قوة، سلماً أم حرباً. وقد بدا التردد الأميركي في التصدي لهذه الخطوة أقرب إلى موقف ملغوم، إلى حد أنه أثار الشكوك حول ما إذا كان قد جرى ترك هذا التطور ليأخذ مجراه، ويكون مدخلاً لقلب المعادلات القائمة، بما يؤدي إلى فرض تحالفات وتوازنات جديدة مفتوحة على المجهول.


وتعزز هذا الاحتمال بعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق قبل أيام، في 30 سبتمبر الفائت، من زاوية أنه يأتي في سياق الانسحاب الأميركي من المنطقة، والذي بدأ بانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان صيف 2021، ثم من سوريا في إبريل 2026، بدافع تحويل الثقل الاستراتيجي إلى بحر الصين. وفي كل حال، بدا ترك العراق في هذه اللحظة الدقيقة في المنطقة بمثابة تعزيز لدور إيران ووضعها فيها، مع أن الانسحاب كان مقرراً منذ أواخر رئاسة بايدن. لكن كان بمقدور إدارة ترامب أن تؤجل تنفيذه، ولم تفعل. وجاء تزامن مغادرة العراق مع هذه التطورات ليزيد علامات الاستفهام حول خيارات الإدارة في ملفات المنطقة.


وسط هذا المشهد، جاءت عودة ترامب مؤخراً إلى الحشد والتلويح بالقوة لتفتح الباب أمام كل السيناريوهات، سواء المفاجئ منها أو المؤجل. ولو أن المرجح هو أن التصعيد في هذه اللحظة موجّه للتخفيف من نقمة الناخب الأميركي على الحرب، علّ ذلك يفرمل تدهور الوضع الانتخابي للحزب الجمهوري. فالزخم الانتخابي الذي كان ينعم به الرئيس أعطبته حرب إيران. وهي خسارة لا يعوضها إلا الخلاص من تداعياتها، فيما الخيارات في هذا الصدد ضئيلة ومحاطة بالمخاطر.


والجمعة، عقد فريق الرئيس ترامب للأمن القومي، الذي يضم نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيتر هيغسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة أركان القوات المسلحة الجنرال دان كاين، اجتماعاً مطولاً في كامب ديفيد "للتباحث" في حرب إيران، كما في النزاع السعودي–الحوثي. وعندما سئل الرئيس ترامب، الذي بقي في واشنطن، عن الاجتماع وما تناوله، قال: "لو قلت لكم، لكان بين أيديكم الآن خبر كبير". جواب ترامبي يترك، كالعادة، المجال مفتوحاً للمفاجأة.


العربي الجديد