تصريحات هوكشتاين.. مساءلة للسياسات الأميركية والخيارات

. غسان ريفي
لم يكن كلام المبعوث الأميركي السابق إلى لبنان آموس هوكشتاين في مقابلته مع الإعلامية هادلي غامبل مجرد استعادة لمرحلة المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، بل حمل اعترافات سياسية تكشف حجم التخبط الأميركي في إدارة الملف اللبناني، وتؤكد أن واشنطن تخلت عن مسار كان يفترض أن يقود إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ونزع سلاح حزب الله بصورة تدريجية وواقعية، لمصلحة مقاربة جديدة تقوم على الرهان على قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ ما يُطلب منها، من دون تقديم أي ضمانات مقابلة من الجانب الإسرائيلي.
هوكشتاين لم يتردد في تحميل المقاربة الأميركية مسؤولية الفشل، رافضاً اعتبار الحكومة اللبنانية وحدها مسؤولة عن التعثر، ومشيراً إلى أن الاجتماعات الثلاثية والمفاوضات التي تنقلت بين واشنطن وروما وفلوريدا لم تحقق النتائج المطلوبة، وأن ما كان مطروحاً من خطة متكاملة للانسحاب الإسرائيلي التدريجي، بالتوازي مع معالجة ملف سلاح حزب الله، جرى التخلي عنه لمصلحة “وهم” إمكانية تحقيق النتائج بمجرد إعلان النوايا.
وهذا الكلام يطرح مجدداً سؤالاً حول طبيعة الدور الأميركي، الذي لم يثبت أنه وسيط نزيه أو راعٍ متوازن بين لبنان وإسرائيل، بل كان في كل المحطات يتبنى الأولويات الإسرائيلية ويوفر الغطاء السياسي لها، على حساب المصالح اللبنانية واستقرار المنطقة.
واشنطن التي شاركت في صياغة اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وتعهدت برعاية تنفيذه، لم تنجح في إلزام إسرائيل ببنوده، سواء لجهة الانسحاب الكامل أو وقف الاعتداءات، فيما استمرت في ممارسة الضغوط على لبنان لتنفيذ التزاماته، وكأن الاتفاق وُضع ليكون واجباً لبنانياً من طرف واحد.
والأخطر أن كلام هوكشتاين يضيء على حقيقة المشروع الإسرائيلي في الجنوب، حيث لا يبدو الاحتلال مجرد إجراء مؤقت أو ورقة تفاوضية، بل مساراً مفتوحاً لإبقاء مواقع عسكرية وفرض وقائع ميدانية قد تتحول إلى احتلال طويل الأمد، وربما إلى مشروع استيطاني إذا توافرت له الظروف.
في المقابل، تبرز مسؤولية السلطة اللبنانية التي تجاوزت اتفاق 27 تشرين الثاني، ولم تتمسك بما يوفره القرار 1701 والمبادرة العربية للسلام في قمة بيروت 2000، من مرجعيات وضمانات، وذهبت إلى مسار تفاوضي منفرد تحت عنوان “اتفاق الإطار”، من دون أن تتمكن من انتزاع التزامات إسرائيلية واضحة أو ضمانات أميركية ملزمة. فكان أن دخل لبنان في مفاوضات لا تنتهي، تتكرر فيها المطالب الإسرائيلية والأميركية.
ولعل ما شهدته الجلسة العسكرية الأخيرة في تامبا، من طرح تشكيل لجان عسكرية لبنانية إسرائيلية، وما يثيره ذلك من مخاوف حول الذهاب إلى تطبيع عسكري مقنّع، يشكل دليلاً إضافياً على خطورة هذا المسار، خصوصاً أن كل جولة تفاوضية تبدو وكأنها محطة لانتزاع تنازل لبناني جديد.
تكتسب مراجعة هوكشتاين أهمية استثنائية، فهو لا يتحدث من موقع المراقب، بل باعتباره أحد الذين شاركوا في هندسة اتفاق وقف إطلاق النار، ويكشف أن خطة الانسحاب الإسرائيلي التدريجي كانت موجودة، وأن المفاوضات بشأن الحدود البرية كانت قد قطعت شوطاً متقدماً، قبل أن يجري التخلي عن هذا المسار.
وبالتالي، فإن العودة إلى اتفاق تشرين الثاني 2024 ليست تراجعاً عن التفاوض، بل استعادة لمرجعية واضحة تضمن تلازم الانسحاب الإسرائيلي مع الخطوات اللبنانية، بدلاً من الفصل بينهما وتحميل لبنان وحده أعباء التنفيذ.
وتزداد أهمية هذه المراجعة في ظل التحولات داخل الولايات المتحدة، والتبدلات في موازين القوى داخل الكونغرس، والرسائل التي وجهها الناخب الأميركي إلى إدارة دونالد ترامب، اعتراضاً على سياساتها وانحيازها لإسرائيل على حساب المصالح الأميركية.
وهي تحولات ينبغي أن تدفع السلطة اللبنانية إلى إعادة تقييم خياراتها، وعدم التعامل مع المقاربة الأميركية الحالية باعتبارها قدراً لا يمكن تعديله.
لا شك في أن كلام هوكشتاين يضع السلطة اللبنانية أمام استحقاق سياسي واضح: إما الاستمرار في مسار تفاوضي مفتوح، لا يحقق للبنان انسحاباً ولا سيادة ولا ضمانات، أو إعادة الاعتبار لاتفاق 27 تشرين الثاني والقرار 1701، والتمسك بتطبيقهما كاملاً.
ما كشفه هوكشتاين هو أن المشكلة لم تكن في غياب الخطة، بل في التخلي عنها، وأن المطلوب اليوم ليس المزيد من التنازلات اللبنانية، بل استعادة المسار الذي كان يفترض أن يحمي لبنان ويعيد إليه أرضه وسيادته.