رسالة مزدوجة من بيروت: إيران بين دعم الدولة ودعم “المقاومة”

لم يكن تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من بيروت مجرّد موقف دبلوماسي عابر، بل خطابًا مركّبًا يحمل أكثر من رسالة في اتجاهات مختلفة.
في جملة واحدة، أعلن دعم إيران لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، ودعا إلى إنهاء الاحتلال. وفي الجملة التالية، أكّد الاستمرار في دعم “المقاومة” ضد إسرائيل. ثم عاد ليشدّد على الحرص على العلاقة مع الدولة اللبنانية وحكومتها وكامل مكوّنات الشعب اللبناني، قبل أن يختم تحيّته من مرقد السيد حسن نصر الله للمضحّين والشهداء.
هذا الترتيب ليس تفصيلاً لغويًا، بل يعكس جوهر المقاربة الإيرانية تجاه لبنان: خطاب يعترف بالدولة، لكنه لا يختزل العلاقة بها؛ تأكيد على السيادة، مقرون بإصرار على دعم قوة مسلّحة خارج إطار هذه السيادة.
المعادلة التي يعرضها عراقجي تقوم على ازدواجية واضحة: سيادة الدولة من جهة، واستمرار دعم طرف يحمل سلاحًا خارجها من جهة أخرى. وهذا يضع مفهوم السيادة نفسه في حالة التباس سياسي دائم: هل هي سيادة الدولة وحدها؟ أم سيادة مشتركة بين الدولة ومحور إقليمي يرى نفسه شريكًا في القرار؟
إيران، في هذا الخطاب، لا تتحدّث إلى لبنان فقط، بل تتحدّث عبر لبنان إلى الإقليم والمجتمع الدولي. فهي تقول إنها تحترم الدولة، لكنها في الوقت نفسه تؤكّد أنها لن تنسحب من المعادلة الأمنية والعسكرية في المنطقة. أي أنها تطلب الاعتراف بدورها السياسي الإقليمي، لا الاكتفاء بعلاقتها الثنائية مع الدولة اللبنانية.
بالنسبة للبنان، هذا النوع من الخطاب يطرح إشكالية مركزية: كيف يمكن بناء دولة ذات سيادة كاملة، فيما أحد الشركاء الخارجيين يعترف بها لفظيًا، لكنه يصرّ على دعم فاعل داخلي خارج منظومتها؟
وهنا لا يصبح السؤال موجّهًا إلى إيران وحدها، بل إلى لبنان نفسه: هل يريد أن تكون علاقاته الخارجية قائمة حصراً عبر مؤسساته الدستورية؟ أم أنه يقبل عمليًا بعلاقات مزدوجة، دولة بمحاذاة دولة، وسلاح بمحاذاة سلاح؟
زيارة عراقجي، بهذا المعنى، ليست فقط محطة دبلوماسية، بل مرآة لحالة لبنانية أعمق: بلد يسعى لاستعادة سيادته الكاملة، لكنه لا يزال جزءًا من صراعات الآخرين.
خطاب عراقجي لا ينذر بالتصعيد، لكنه لا يؤسس للحياد أيضًا. هو خطاب إدارة نفوذ، لا خطاب انسحاب منه.
وهنا تكمن أهميته: ليس فيما قاله فقط، بل فيما كشفه عن حدود التحوّل الممكن في علاقة إيران بلبنان في المرحلة المقبلة.